المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٧٠ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
رابعها: المراد أنه فى المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك، قال شيخ مشايخنا الحافظ ابن حجر: و هذا من أبعد المحامل.
خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية، لا مطلق من رآه حينئذ ممن لم يره فى المنام.
و الصواب كما قدمناه فى رؤيته- صلى اللّه عليه و سلم- التعميم، على أى حالة رآه الرائى بشرط أن يكون على صورته الحقيقية فى وقت ما، سواء كان فى شبابه أو رجوليته أو كهوليته، أو آخر عمره، و قد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائى، كما قال بعض علماء التعبير: إن من رآه شيخا فهو غاية سلم، و من رآه شابّا فهو غاية حرب.
و قال أبو سعيد أحمد بن محمد بن نصر: من رأى نبيّا على حاله و هيئته فذلك دليل على صلاح الرائى و كمال جاهه و ظفره بمن عاداه، و من رآه متغير الحال عابسا مثلا فذلك دال على سوء حال الرائى.
و قال العارف ابن أبى جمرة: من رآه فى صورة حسنة فذاك حسن فى دين الرائى، و إن كان فى جارحة من جوارحه شين أو نقص فذلك خلل فى الرائى من جهة الدين. قال: و هذا هو الحق. و قد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، و به تحصل الفائدة الكبرى فى رؤياه حتى يتبين للرائى هل عنده خلل أو لا؟ لأنه- صلى اللّه عليه و سلم- نورانى مثل المرآة الصقيلة، ما كان فى الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها، و فى ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها، كذلك يقال فى كلامه- صلى اللّه عليه و سلم- فى النوم: أنه يعرض على سنته، فما وافقها فهو حق، و ما خالفها فالخلل فى سمع الرائى، فرؤيا الذات الكريمة حق، و الخلل إنما هو فى سمع الرائى له أو بصره، قال: و هذا غير ما سمعته فى ذلك، انتهى.
و قال بعضهم: ليست رؤيته- صلى اللّه عليه و سلم- رؤيا عين، إنما يرى بالبصائر، و ذلك لا يستدعى حصر المرئى بل يرى من المشرق إلى المغرب و من الأرض إلى العرش، كما ترى الصورة فى المرآة المحاذية لها، و ليست الصورة منتقلة إلى جرم المرآة، و عين الناظر مقابلة جميع الكائنات كالمرآة.