المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٤٠ - النوع الثالث فى وصفه له- صلى اللّه عليه و سلم- بالشهادة و شهادته له بالرسالة
و الثانى: أنه رسول إلى من وصله خبر وجوده، و خبر معجزاته و شرائعه، حتى يمكنه عند ذلك متابعته. أما لو قدرنا حصول قوم فى طرف من أطراف الأرض لم يبلغهم خبره و خبر معجزاته و شرائعه حتى لا يمكنهم عند ذلك متابعته فلا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته. و عن أبى هريرة عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أنه قال: «و الذي نفسى بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة و لا يهودى و لا نصرانى و مات و لم يؤمن بالذى أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» [١] رواه مسلم. و مفهومه: أن من لم يسمع بالنبى- صلى اللّه عليه و سلم- و لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، على ما تقرر فى الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح. و فى هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا- صلى اللّه عليه و سلم-.
و قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [٢]. خاطب تعالى أهل الكتاب من اليهود و النصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدا خاتم النبيين الذي لا نبى بعده و لا رسول. بل هو المعقب لجميعهم، و لهذا قال تعالى: عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ [٣] أى بعد مدة متطاولة، ما بين إرساله و عيسى ابن مريم.
و قد اختلفوا فى مقدار هذه الفترة كم هى؟ فقال النهدى و قتادة فى رواية عنه: ستمائة سنة. و رواه البخاري عن سلمان الفارسى. و عن قتادة:
خمسمائة و ستون سنة، و قال الضحاك: أربعمائة و بضع و ثلاثون سنة، و عن الشعبى- فيما ذكره ابن عساكر- تسعمائة و ثلاث و ثلاثون سنة. قال الحافظ عماد الدين بن كثير: و المشهور أنها ستمائة سنة، قال: و كانت هى الفترة بين عيسى ابن مريم، آخر أنبياء بنى إسرائيل، و بين محمد آخر النبيين من بنى آدم على الإطلاق، كما فى البخاري من حديث أبى هريرة مرفوعا: «أنا أولى
[١] صحيح: أخرجه مسلم (١٥٣) فى الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد- صلى اللّه عليه و سلم- إلى جميع الناس و فسخ الملل بملة.
[٢] سورة المائدة: ١٩.
[٣] سورة المائدة: ١٩.