المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٤٢ - النوع الثالث فى وصفه له- صلى اللّه عليه و سلم- بالشهادة و شهادته له بالرسالة
القرآن، و من تتبع الكتاب و السنة رأى من ذلك العجب العجاب، و لما ساوى اللّه سبحانه و تعالى بين الناس فى حرص رسوله- صلى اللّه عليه و سلم- على إسلامهم، خص المؤمنين برأفته و رحمته لهم.
و قال تعالى: مِنْ أَنْفُسِكُمْ [١] و لم يقل: من أرواحكم، فقيل يحتمل أن يكون مراده: أنه منا بجسده المنفس، لا بروحه المقدس، و يرحم اللّه القائل:
إذا رمت مدح المصطفى شغفا به * * * تبلد ذهنى هيبة لمقامه
فأقطع ليلى ساهر الجفن مطرقا * * * هوى فيه أحلى من لذيذ منامه
إذا قال فيه اللّه جل جلاله * * * رءوف رحيم فى سياق كلامه
فمن ذا يجارى الوحى و الوحى معجز * * * بمختلفيه نثره و نظامه
تنبيه:
أما قول القاضى عياض بعد ذكره الآية:
«ثم وصفه بعد بأوصاف حميدة، و أثنى عليه بمحامد كثيرة، من حرصه على هدايتهم، و رشدهم و إسلامهم، و شدة ما يعنتهم و يضربهم فى دنياهم و أخراهم، و عزته على ...». فهو و إن كان المقصد صحيحا، ففى ظاهره شيء، لأنه يوهم أن قوله «و شدة ما يعنتهم» معطوف على متعلق المصدر الذي هو «الحرص» فيكون مخفوضا به.
و مما يقوى هذا التوهم قوة إعطاء الكلام، أن الضمير الأول من قوله «و عزته عليه» عائد على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و الضمير الثانى عائد على اللّه عز و جل، فلا تبقى «الشدة» إلا أن تكون معطوفة على متعلق المصدر. و لا يخفى ما فى هذا.
و قد تأوله بعض العلماء على حذف مضاف أى: و كراهة شدة ما يعنتهم، أو نحو ذلك من المضافات. و الأولى- أو الصواب، إن شاء اللّه تعالى- أن تكون «الشدة» معطوفة على نفس المصدر الذي هو «الحرص»
[١] سورة التوبة: ١٢٨.