المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٤٣ - النوع الثالث فى وصفه له- صلى اللّه عليه و سلم- بالشهادة و شهادته له بالرسالة
و يكون قوله «و عزته» معطوفا على «و شدة» و الضمير فيه راجع إلى الموصول و هو «ما» فى قوله «ما يعنتهم» و الهاء الثانية فى «عليه» عائدة على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-. انتهى.
و قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [١]. يجوز أن يكون «رحمة» مفعولا له، أى لأجل الرحمة، و يجوز أن ينتصب على الحال مبالغة فى أن جعله نفس الرحمة، و إما على حذف مضاف أى: ذا رحمة، أو بمعنى: راحم. قاله السمين [٢].
و قال أبو بكر بن طاهر- فيما ذكره القاضى عياض-: زين اللّه تعالى محمدا- صلى اللّه عليه و سلم- بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، و جميع شمائله و صفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجى فى الدارين من كل مكروه، و الواصل فيهما إلى كل محبوب، انتهى.
و قال ابن عباس: رحمة للبر و الفاجر، لأن كل نبى إذا كذب أهلك اللّه من كذبه. و محمد أخّر من كذبه إلى الموت أو إلى القيامة. و أما من صدقه فله الرحمة فى الدنيا و الآخرة. و قال السمرقندى: رحمة للعالمين يعنى: الجن و الإنس. و قيل: لجميع الخلق للمؤمن رحمة بالهداية، و رحمة للمنافق بالأمان من القتل، و رحمة للكافر بتأخير العذاب. فذاته- صلى اللّه عليه و سلم- كما قيل- رحمة تعم المؤمن و الكافر، قال اللّه تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [٣]، و قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «إنما أنا رحمة مهداة» [٤] رواه الدارمى و البيهقي فى «الشعب» من حديث أبى هريرة. و قال بعض العارفين: الأنبياء خلقوا كلهم من الرحمة، و نبينا- صلى اللّه عليه و سلم- عين الرحمة، و لقد أحسن القائل:
غنيمة عمر الكون بهجة عيشه * * * سرور حياة الدهر فائدة الدهر
هو النعمة العظمى هو الرحمة التي * * * تجلى بها الرحمن فى السر و الجهر
[١] سورة الأنبياء: ١٠٧.
[٢] هو: أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحلبي، أبو العباس شهاب الدين المعروف بالسمين، توفى سنة (٧٥٦ ه).
[٣] سورة الأنفال: ٣٣.
[٤] تقدم.