المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٤٥ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
و رسوله مع وجود ما صدر عنه. و فيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر، لثبوت النهى عن لعنه، و ثبوت الأمر بالدعاء له. و فيه أنه لا تنافى بين ارتكاب النهى و ثبوت محبة اللّه و رسوله فى قلب المرتكب، و أن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة اللّه و رسوله. و يحتمل أن يكون استمرار ثبوت محبة اللّه و رسوله فى قلب العاصى مقيدا بما إذا ندم على وقوع المعصية، أو إذا أقيم عليه الحد، فكفر عن ذنبه المذكور، بخلاف من لم يقع منه ذلك فإنه يخشى بتكرار الذنب أن ينطبع على قلبه حتى يسلب منه ذلك الحب، نسأل اللّه العفو و الثبات على محبته و سلوك سنته برحمته و منّه.
تنبيه: قد اختلف العلماء، أيما أرفع درجة المحبة أو درجة الخلة؟
فحكى القاضى عياض: أن بعضهم جعلهما سواء، فلا يكون الحبيب إلا خليلا، و لا الخليل إلا حبيبا، لكنه خص إبراهيم بالخلة و محمدا- صلى اللّه عليه و سلم- بالمحبة، و قال بعضهم: درجة الخلة أرفع و احتج بقوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر» [١] فلم يتخذه و قد أطلق المحبة لفاطمة و ابنيها و أسامة. انتهى.
و هذا هو الظاهر من المعنى الأخص، لأن المحبة مأخوذة من معنى الخلة، لكن يرد ما روى فى قصة الإسراء فى مناجاته- صلى اللّه عليه و سلم- لربه تعالى حيث قال له تعالى: يا محمد سل، فقال: يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلا، و كلمات موسى تكليما، فقال له تعالى: أ لم أعطك خيرا من هذا.
إلى قوله: و اتخذتك حبيبا، أو ما فى معناه، رواه البيهقي. بنحوه، و هذا يعطى أن درجة المحبة أرفع.
[فروق بين المحبة و الخلة]
و قد احتج من قال بتفضيل مقام المحبة على الخلة بفروق كثيرة، ذكر القاضى عياض فى الشفاء منها نقلا عن الإمام أبى بكر بن فورك عن بعض المتكلمين نبذة:
[١] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٤٦٧) فى المساجد، باب: الخوخة و الممر فى المسجد، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.