المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٦٩ - الفصل الثالث فى قسمه تعالى على تصديقه فيما أوتى به من وحيه و كتابه و تنزيهه عن الهوى فى خطابه
فإن قوله لا يَمَسُّهُ [١] بالرفع، فهذا خبر لفظا و معنى، و لو كان نهيا لكان مفتوحا. و من حمل الآية على النهى احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهى، و الأصل فى الخبر و النهى حمل كل منهما على حقيقته، و ليس هاهنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهى، انتهى ملخصا.
و هذا الذي قاله ابن القيم قد تمسك به جماعة منهم داود، بأنه يجوز مس المصحف للمحدث. و قد أجاب ابن الرفعة فى «الكفاية» عن أدلتهم المزخرفة فقال ما نصه: القرآن لا يصح مسه، فعلم أن المراد به الكتاب الذي هو أقرب المذكورين، و لا يتوجه النهى إلى اللوح المحفوظ لأنه غير منزل، و مسه غير ممكن، و لا يمكن أن يكون المراد بالمطهرين الملائكة،. لأنه قد نفى و أثبت فكأنه قال: يمسه المطهرون و لا يمسه غير المطهرين، و السماء ليس فيها غير مطهر بالإجماع، فعلم أن المراد: المطهرين من الآدميين، و يبين ذلك ما روى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال فى كتاب عمرو بن حزم المروى فى الدّارقطني و غيره: «و لا تمس القرآن إلا و أنت على طهر» [٢] ثم قال، فإن قيل: قد قال الواحدى أن أكثر أهل التفسير على أن المراد اللوح المحفوظ، و أن المطهرين الملائكة، ثم لو صح ما قلتم لم يكن فيها دليل لأن قوله لا يَمَسُّهُ [٣] بضم السين، ليس ينهى عن المراد و لو كان نهيا لكان بفتح السين، فهو إذا خبر.
قلنا: أما قول «أكثر المفسرين» فهو معارض بقول الباقين، و المرجع إلى الدليل، و أما كون المراد بالآية الخبر، فجوابه: أنا نقول: اللفظ لفظ الخبر و معناه النهى، و هو كثير فى القرآن، قال اللّه تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها [٤]، وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [٥]. انتهى.
[١] سورة الواقعة: ٧٩.
[٢] صحيح: أخرجه مالك فى «الموطأ» (١/ ١٧٧) مرسلا: و وصله الدّارقطني فى «سننه» (١/ ١٢٢)، و الحديث صححه الشيخ الألبانى، انظر «الإرواء» (١/ ١٦٠- ١٦١).
[٣] سورة الواقعة: ٧٩.
[٤] سورة البقرة: ٢٣٣.
[٥] سورة البقرة: ٢٢٨.