المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٦٨ - الفصل الثالث فى قسمه تعالى على تصديقه فيما أوتى به من وحيه و كتابه و تنزيهه عن الهوى فى خطابه
و استباح دماء من كذبه و حريمهم و أموالهم، فكيف يليق بأحكم الحاكمين و أقدر القادرين أن يقر على ذلك، بل كيف يليق به أن يؤيده و ينصره و يعليه و يظهره و يظفره بهم، فيسفك دماءهم و يستبيح أموالهم و أولادهم و بلادهم و نساءهم قائلا إن اللّه أمرنى بذلك، و أباحه لى؟ بل كيف يليق به أن يصدق بأنواع التصديق كلها، فيصدقه بإقراره، و بالآيات المستلزمة لصدقه، ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها، فكل آية على انفرادها مصدقة له، ثم يقيم الدلائل القاطعة على أن هذا قوله و كلامه، فيشهد له بإقراره و فعله و قوله، فمن أعظم المحال و أبطل الباطل، و أبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين أن يفعل ذلك.
و المراد بالرسول الكريم هنا محمد- صلى اللّه عليه و سلم- كما قدمته- لأنه لما قال: إنه لقول رسول كريم ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر و لا كاهن، و المشركون ما كانوا يصفون جبريل٧ بالشعر و الكهانة.
و من ذلك قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [١]. قيل المراد ب «الكتاب المكنون» اللوح المحفوظ.
قال ابن القيم: و الصحيح أنه الكتاب الذي بأيدى الملائكة، و هو المذكور فى قوله تعالى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ [٢] قال مالك: أحسن ما سمعت فى هذه أنها مثل الذي فى «عبس»، قال: و من المفسرين من قال: إن المراد أن المصحف لا يمسه إلا طاهر، و الأول أرجح لأن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تتنزل به الشياطين، أن محله لا تصل إليه، كما قال تعالى: وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَ ما يَنْبَغِي لَهُمْ وَ ما يَسْتَطِيعُونَ [٣] و أيضا:
[١] سورة الواقعة: ٧٥- ٧٩.
[٢] سورة عبس: ١٣- ١٦.
[٣] سورة الشعراء: ٢١٠، ٢١١.