المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٤٩ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
فإن قلت: إن نوحا كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان، فإنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه، و قد كان مرسلا إليه، و قد جاء فى حديث جابر و غيره «و كان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة و بعثت إلى كل أحمر و أسود» [١] و فى رواية «إلى الناس كافة».
أجاب الحافظ ابن حجر،- ; تعالى-: بأن هذا العموم الذي حصل لنوح٧ لم يكن فى أصل بعثته، و إنما اتفق بالحادث الذي وقع، و هو انحصار الخلق فى الموجودين بعد هلاك سائر الناس. و أما نبينا- صلى اللّه عليه و سلم- فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك.
و أما قول أهل الموقف لنوح- كما صح فى حديث الشفاعة-: إنه أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، و على تقدير أن يكون مرادا فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه و تعالى فى عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه، و لم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم.
و استدل بعضهم لعموم بعثته: بكونه دعا على جميع من فى الأرض فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة، و لو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا، لقوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [٢]، و قد ثبت أنه أول الرسل.
و أجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم فى أثناء مدة نوح، و علم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه و غيرهم. فأجيب:
و هذا جواب حسن، لكن لم ينقل أنه نبئ فى زمن نوح غيره. و يحتمل أن يكون معنى الخصوصية لنبينا- صلى اللّه عليه و سلم- فى ذلك بقاء شريعته. انتهى.
و أما قول بعض اليهود: أن نبينا محمدا- صلى اللّه عليه و سلم- إنما هو مبعوث إلى العرب خاصة، ففاسد. و الدليل عليه أنهم- أى اليهود- سلموا أنه رسول صادق إلى العرب، فوجب أن يكون كل ما يقوله حقّا، و قد ثبت بالتواتر أنه
[١] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٣٣٥) فى التيمم، باب: و قول اللّه تعالى فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً .... و مسلم (٥٢١) فى المساجد، باب: رقم (١).
[٢] سورة الإسراء: ١٥.