المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٤٨ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
و منها: أنه أعطى مفاتيح الخزائن
[١]. قال بعضهم: و هى خزائن أجناس العالم ليخرج لهم بقدر ما يطلبونه لذواتهم، فكل ما ظهر من رزق العالم فإن الاسم الإلهى لا يعطيه إلا عن محمد- صلى اللّه عليه و سلم- الذي بيده المفاتيح، كما اختص تعالى بمفاتيح الغيب فلا يعلمها إلا هو، و أعطى هذا السيد الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن.
و منها: أنه أوتى جوامع الكلم،
فالكلم جمع كلمة، و كلمات اللّه تعالى لا تنفد، فالكلمة منه كلمات، و لما علم جوامع الكلم أعطى الإعجاز بالقرآن الذي هو كلام اللّه تعالى، و هو المترجم عن اللّه تعالى، فوقع الإعجاز فى الترجمة التي هى له، فإن المعانى المجردة عن المواد لا يتصور الإعجاز بها و إنما الإعجاز ربط هذه المعانى بصور الكلم القائم من نظم الحروف، فهو لسان الحق و سمعه و بصره.
و منها: أنه بعث إلى الناس كافة،
قال بعضهم: و هو من الكفت، و هو الضم، قال اللّه تعالى: أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً [٢] تضم الأحياء على ظهرها، و الأموتا فى بطنها، كذلك ضمت شريعته- صلى اللّه عليه و سلم- جميع الناس، فلا يسمع به أحد إلا لزمه الإيمان به، و لما سمع الجن القرآن يتلى قالوا: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَ آمِنُوا بِهِ [٣] الآية، فضمت شريعته الإنس و الجن، و عمت رحمته التي أرسل بها العالم، قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [٤]، فمن لم تنله رحمته فما ذلك من جهته، و إنما ذلك من جهة القابل. فهو كالنور الشمسى أفاض شعاعه على الأرض، فمن استتر عنه فى كنّ أو ظل جدار فهو الذي لم يقبل انتشار النور عليه، و عدل عنه، فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع. انتهى.
[١] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (١٣٤٤) فى الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد، و مسلم (٢٢٩٦) فى الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا- صلى اللّه عليه و سلم-، من حديث عقبة بن عامر- رضى اللّه عنه-.
[٢] سورة المرسلات: ٢٥.
(٣) سورة الأحقاف: ٣١.
[٤] سورة الأنبياء: ١٠٧.