المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٢٨ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
قال: و يحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله: و هو: أن يكون بمعنى مسموعه، لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل: فلان أملى، بمعنى:
مأمولى، و المعنى: أنه لا يسمع إلا ذكرى و لا يلتذ إلا بتلاوة كتابى و لا يأنس إلا بمناجاتى، و لا ينظر إلا فى عجائب ملكوتى، و لا يمد يده إلا فيما فيه رضاى، و رجله كذلك.
و قال غيره: اتفق العلماء- ممن يعتد بقولهم- على أن هذا مجاز و كناية عن نصرة العبد و تأييده و إعانته، حتى كأنه سبحانه تنزل عنده منزلة الآلات التي يستعين بها، و لهذا وقع فى رواية: «فبى يسمع و بى يبصر و بى يبطش و بى يمشى». قال: و الاتحادية زعموا أنه على حقيقته، و أن الحق عين العبد، تعالى اللّه عما يقول الظالمون و الجاحدون علوّا كبيرا.
و قال الخطابى: عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء، و النجح فى الطلب، و ذلك أن مساعى الإنسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة.
و عن أبى عثمان الجيزى- أحد أئمة الطريق- قال: معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه فى الإسماع و عينه فى النظر، و يده فى اللمس و رجله فى المشى. كذا أسنده عنه البيهقي فى «الزهد» [١].
و حمله بعض أهل الزيغ على ما يدعونه، من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة و الباطنة حتى يصفى من الكدورات، أنه يصير فى معنى الحق، تعالى اللّه عن ذلك، و أنه يفنى عن نفسه جملة، حتى يشهد أن اللّه هو الذاكر لنفسه، و الموحد لنفسه، و المحب لنفسه، و أن هذه الأسباب و الرسوم تصير عدما صرفا. و على هذه الأوجه كلها فلا متمسك فيه للاتحادية و لا القائلين بالوحدة المطلقة، لقوله فى بقية الحديث (و لئن سألنى)، زاد فى رواية عبد الواحد (عبدى). انتهى ملخصا.
قال العلامة ابن القيم: بتضمن هذا الحديث الشريف الإلهى- الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه و المراد به- حصر أسباب
[١] (ص ٢٧٣).