المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٢٢ - النوع الأول فى آيات تتضمن تعظيم قدره و رفعة ذكره و جليل رتبته و علو درجته على الأنبياء و تشريف منزلته
رجل ثم أثبتت الهاء فيها للوقف. و على هذا يحتمل أن يكون أصل «طه»:
طاها، و الألف مبدلة من الهمزة و الهاء كناية عن الأرض. لكن يرد ذلك:
كتبهما على صورة الحرف.
و أما قوله تعالى: ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [١] فذكروا فى سبب نزولها أقوالا:
أحدها: أن أبا جهل و الوليد بن المغيرة و مطعم بن عدى قالوا لرسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «بل بعثت رحمة للعالمين» فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ردّا عليهم، و تعريفا له- صلى اللّه عليه و سلم- بأن دين الإسلام و القرآن هو السلّم إلى نيل كل فوز، و السبب فى إدراك كل سعادة، و ما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها.
و ثانيها: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- صلى بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل:
أبق على نفسك، فإن لها عليك حقّا. أى ما أنزلناه عليك لتنتهك نفسك بالعبادة و تذيقها المشقة العظيمة، و ما بعثت إلا بالحنيفية السمحاء. و روى أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام. و قال بعضهم: كان يسهر طول الليل. و تعقب: بأنه بعيد، لأنه- صلى اللّه عليه و سلم- إن فعل شيئا من ذلك فلا بد أن يكون قد فعله بأمر اللّه تعالى، و إذا فعله عن أمره فهو من باب السعادة لا من باب الشقاوة.
و ثالثها: قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد، لا تشق على نفسك و تعذبها بالأسف على كفر هؤلاء، فإنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر به من آمن، فمن آمن و أصلح فلنفسه، و من كفر فلا يحزنك كفره، فما عليك إلا البلاغ، و هذا كقوله: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [٢] فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ [٣].
[١] سورة طه: ٢.
[٢] سورة الشعراء: ٣.
[٣] سورة لقمان: ٢٣.