المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٢٤ - النوع الأول فى آيات تتضمن تعظيم قدره و رفعة ذكره و جليل رتبته و علو درجته على الأنبياء و تشريف منزلته
و تأمل قوله: إِنَّا أَعْطَيْناكَ [١] كيف ذكر بلفظ الماضى، و لم يقل:
سنعطيك، ليدل على أن هذا الإعطاء حصل فى الزمان الماضى، قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «كنت نبيّا و آدم بين الروح و الجسد» [٢] و لا شك أن من كان فى الزمان الماضى عزيزا مرعى الجانب أشرف ممن سيصير كذلك، كأنه تعالى يقول: يا محمد قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك فى هذا الوجود، فكيف أمرك بعد وجودك و اشتغالك بعبوديتنا يا أيها العبد الكريم، إنا لم نعطك هذا الفضل العميم لأجل طاعتك، و إنما اخترناك بمجرد فضلنا و إحساسنا من غير موجب. و اختلف المفسرون فى تفسير (الكوثر) على وجوه:
منها: أنه نهر فى الجنة، و هذا هو المشهور و المستفيض عند السلف و الخلف، فروى أنس أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: (بينا أنا أسير فى الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه مسك أذفر) [٣] رواه البخاري.
و قيل: الكوثر أولاده، لأن هذه السورة إنما نزلت ردّا على من عابه- صلى اللّه عليه و سلم- بعدم الأولاد، و على هذا فالمعنى: أنه يعطيه نسلا يبقون على ممر الزمان. فانظر كم قتل من أهل البيت، ثم العالم ممتلئ منهم، و لم يتفق ذلك لنبى من الأنبياء غيره. و قيل: الكوثر الخير الكثير. و قيل: النبوة، و هى الخير الكثير. و قيل: علماء أمته، و قيل الإسلام، و لا ريب أنهما من الخير الكثير، فالعلماء ورثة الأنبياء [٤]، كما رواه أحمد و أبو داود و الترمذى، و أما «علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل» [٥] فقال الحافظ ابن حجر، و من قبله
[١] سورة الكوثر: ١.
[٢] صحيح: و قد تقدم.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٦٥٨١) فى الرقاق، باب: فى الحوض.
[٤] صحيح: أخرجه أبو داود (٣٦٤١) فى العلم، باب: الحث على طلب العلم، و الدارمى فى «سننه» (٣٤٢)، من حديث أبى الدرداء- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٦٢٩٧).
[٥] لا أصل له: انظر «كشف الخفاء» للعجلونى (١٧٤٤).