المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٢١ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
و اعلم أنه لا يمكن أن يجتمع فى القلب حبان، فإن المحبة الصادقة تقتضى توحيد المحبوب، فليختر المرء لنفسه إحدى المحبتين فإنهما لا يجتمعان فى القلب، و الإنسان عند محبوبه كائنا ما كان كما قيل:
أنت القتيل بأى من أحببته * * * فاختر لنفسك فى الهوى من تصطفى
و لبعض الحكماء: كما أن الغمد لا يتسع لعضبين فكذلك القلب لا يتسع لحبين، و لذلك لازم إقبالك على من تهواه إعراضك عن كل شيء سواه فمن داهن فى المحبة أوداجى، فقد عرض لمدى الغيرة أوداجا، فمحبة الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- بل تقديمه فى الحب على الأنفس و الآباء و الأبناء- لا يتم الإيمان إلا بها، إذ محبته من محبة اللّه.
و قد حكى عن أبى سعيد الخراز- مما ذكره القشيرى فى رسالته- أنه قال: رأيت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى المنام، فقلت: يا رسول اللّه اعذرنى فإن محبة اللّه شغلتنى عن محبتك، فقال لى: «يا مبارك من أحب اللّه فقد أحبنى».
و قيل إن ذلك وقع لامرأة من الأنصار معه- صلى اللّه عليه و سلم- يقظة، و لابن أبى المجد.
ألا يا محب المصطفى زد صبابة * * * و ضمخ لسان الذكر منك بطيبه
و لا تعبأن بالمبطلين فإنما * * * علامة حب اللّه حب حبيبه
و كذلك كل حب فى اللّه و للّه، كما فى الصحيحين، عن أنس أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون اللّه و رسوله أحب إليه مما سواهما، و أن يحب المرء لا يحبه إلا للّه و أن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار» [١]، فعلق ذوق الإيمان بالرضى باللّه ربّا، و علق وجدان حلاوته بما هو موقوف عليه و لا يتم إلا به، و هو كونه سبحانه أحب الأشياء إلى العبد هو و رسوله، فمن رضى اللّه ربّا رضيه اللّه له عبدا.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٦) فى الإيمان، باب: حلاوة الإيمان، و مسلم (٤٣) فى الإيمان، باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.