المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٩ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و العذراء: هى البكر. و الخدر:- بكسر الخاء المعجمة- أى فى سترها. و هو من باب التتميم، لأن العذراء فى الخدر يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجة عنه، لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل بها. فالظاهر: أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها فى خدرها لا حيث تكون منفردة فيه. و الحياء- بالمد- و هو من الحياء، و منه: الحيا للمطر، لكن هو مقصور. و على حسب حياة القلب تكون فيه قوة خلق الحياء، و قلة الحياء من موت القلب و الروح، و كلما كان القلب حيّا كان الحياء أتم. و هو فى اللغة: تغير و انكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به، و قد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب. و الترك إنما هو من لوازمه. و فى الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح و يمنع من التقصير فى حق ذى الحق.
و قال ذو النون: «الحياء وجود الهيبة فى القلب، مع وحشة ما يسبق منك إلى ربك، و الحب ينطق و الحياء يسكت، و الخوف يقلق».
و قال يحيى بن معاذ: من استحيا من اللّه مطيعا استحيا منه و هو مذنب. و هذا الكلام يحتاج إلى شرح و معناه: أن من غلب عليه خلق الحياء من اللّه حتى فى حال طاعته فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستحى خجل، فإنه إذا وقع منه ذنب استحيا اللّه من نظره إليه فى تلك الحالة لكرامته عليه، فيستحى أن يرى من وليه ما يشينه عنده. و فى الشاهد. شاهد بذلك، فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به و أحبهم إليه و أقربهم منه، من صاحب أو ولد أو من يحبه، و هو يخونه، فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع عليه حياء عجيب حتى كأنه هو الجانى. و هذا غاية الكرم. و للحياء أقسام ثمانية يطول استقصاؤها.
منها: حياء الكرم، كحيائه- صلى اللّه عليه و سلم- من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، و طولوا عنده المقام، و استحيا أن يقول لهم انصرفوا [١].
[١] القصة أخرجها البخاري (٤٧٩٣) فى التفسير، باب: قوله لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ ...، و مسلم (١٤٢٨) فى النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش- رضى اللّه عنها-، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.