المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣١ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
الأنفاس. و قيل الخوف: اضطراب القلب و حركته من تذكر المخوف. و قيل الخوف: قوة العلم بمجارى الأحكام، و هذا سبب الخوف، لا أنه نفسه.
و قيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. و الخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء باللّه تعالى: قال اللّه تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [١]، فهو خوف مقرون بمعرفة. و قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «أنا أتقاكم للّه و أشدكم له خشية» [٢] فالخوف حركة و الخشية انجماع و انقباض و سكون، فإن الذي يرى العدو و السيل و نحوهما له حالتان: إحداهما حركة للهرب منه و هى حالة الخوف، و الثانية سكونه و قراره فى مكان لا يصل إليه و هى الخشية.
و أما الرهبة: فهى الإمعان فى الهرب من المكروه، و هى ضد الرغبة التي هى سفر القلب فى طلب المرغوب فيه. و أما الوجل: فرجفان القلب و انصداعه لذكر من يخاف سلطانه و عقوبته. و أما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم و الإجلال، و أكثر ما تكون مع المعرفة و المحبة. و الإجلال: تعظيم مقرون بالحب.
فالخوف لعامة المؤمنين، و الخشية للعلماء العارفين، و الهيبة للمحبين، و الإجلال للمقربين. و على قدر العلم و المعرفة يكون الخوف و الخشية، كما قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «إنى لأعلمكم باللّه و أشدكم له خشية» [٣] رواه البخاري، و قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا» [٤] رواه البخاري
[١] سورة فاطر: ٢٨.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٢٠) فى الإيمان، باب: قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «أنا أعلمكم باللّه»، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-، و أخرجه مسلم (١١٠٨) فى الصيام، باب: بيان أن القبلة فى الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، من حديث أم سلمة- رضى اللّه عنها-.
[٣] صحيح: و قد تقدم تخريجه فى الحديث السابق.
[٤] صحيح: أخرجه البخاري (١٠٤٤) فى الكسوف، باب: الصدقة فى الكسوف، و مسلم (٩٠١) فى الكسوف، باب: صلاة الكسوف، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها- و أخرجه البخاري (٦٤٨٥) فى الرقاق، باب: قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «لو تعلمون ما أعلم» من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.