المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٣ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يمازح أصحابه و يخالطهم و يحادثهم و يؤنسهم. و يأخذ معهم فى تدبير أمورهم، و يداعب صبيانهم و يجلسهم فى حجره، و مع ذلك سره فى الملكوت يجول حيث أراد اللّه به. و الدعابة:- بضم الدال و تخفيف العين المهملتين و بعد الألف موحدة- هى الملاطفة فى القول بالمزاح و غيره.
و قد أخرج الترمذى و حسنه من حديث أبى هريرة؛ قالوا: يا رسول اللّه، إنك تداعبنا، قال: «إنى لا أقول إلا حقّا» [١].
و ما ورد عنه- صلى اللّه عليه و سلم- فى النهى عن المداعبة محمول على الإفراط، لما فيه من الشغل عن ذكر اللّه و التفكر فى مهمات الدين و غير ذلك. و الذي يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب- كما كان هو فعله- صلى اللّه عليه و سلم- فهو مستحب. و قال أنس: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أحسن الناس خلقا، و كان لى أخ يقال له: أبو عمير، و كان له نغر يلعب به فمات، فدخل على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- ذات يوم فرآه حزينا فقال: «ما شأنه» قالوا:
مات نغره، فقال: «يا أبا عمير ما فعل النغير» [٢]. رواه البخاري و مسلم.
و فى رواية الترمذى قال أنس: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ليخالطنا حتى يقول لأخ لى صغير «يا أبا عمير ما فعل النغير». قال الجوهرى: النغير: تصغير نغر، و النغر جمع النغرة و هو طائر صغير كالعصفور، و الجمع نغران مثل صرد و صردان.
و كان قد ألقى عليه مع الدعابة المهابة، و لقد جاء إليه- صلى اللّه عليه و سلم- رجل فقام بين يديه فأخذته رعدة شديدة و مهابة، فقال له: «هون عليك، فإنى لست بملك و لا جبار إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة» فنطق الرجل بحاجته، فقام- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: «يا أيها الناس إنى أوحى إلى أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد و لا يفخر أحد على أحد، و كونوا عباد
[١] صحيح: أخرجه الترمذى (١٩٩٠) فى البر و الصلة، باب: ما جاء فى المزاح، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٥٠٩).
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٦١٢٩) فى الأدب، باب: الانبساط إلى الناس، و مسلم (٢١٥٠) فى الآداب، باب: استحباب تحنيك المولود عند ولادته، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.