المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٩٨ - النوع العاشر فى إزالة الشبهات عن آيات وردت فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم- متشابهات
النعم الدنيوية، شيئان: دينية، و أشار إليها بقوله: وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [١]، و دنيوية، و هى قوله: وَ يَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [٢]، فانتظم بذلك تعظيم قدر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بإتمام أنواع نعم اللّه تعالى عليه المتفرقة فى غيره، و لهذا جعل ذلك غاية للفتح المبين الذي عظمه و فخمه بإسناده إليه بنون العظمة [٣]، و جعله خاصّا بالنبى- صلى اللّه عليه و سلم- بقوله: (لك) و قد سبق إلى نحو هذا ابن عطية فقال؛ و إنما المعنى التشريف بهذا الحكم، و لم تكن ذنوب البتة.
ثم قال: و على تقدير الجواز لا شك و لا ارتياب أنه لم يقع منه- صلى اللّه عليه و سلم-، و كيف يتخيل خلاف ذلك وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [٤]. و أما الفعل: فإجماع الصحابة على اتباعه و التأسي به فى كل ما يفعله من قليل أو كثير، أو صغير أو كبير لم يكن عندهم فى ذلك توقف و لا بحث، حتى أعماله فى السر و الخلوة يحرصون على العلم بها و على اتباعها، علم بهم أو لم يعلم، و من تأمل أحوال الصحابة معه- صلى اللّه عليه و سلم- استحيا من اللّه أن يخطر بباله خلاف ذلك، انتهى.
و أما قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ [٥]. فلا مرية أنه- صلى اللّه عليه و سلم- أتقى الخلق، و الأمر بالشىء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به، إذ لا يصلح أن يقال للجالس اجلس، و لا للساكت اسكت، و لا يجوز عليه أن لا يبلغ، و لا أن يخالف أمر ربه، و لا أن يشرك، و لا أن يطيع الكافرين و المنافقين، حاشاه اللّه من ذلك، و إنما أمره اللّه تعالى بتقوى توجب استدامة الحضور.
و أجاب بعضهم عن هذا أيضا بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يزداد علمه باللّه تعالى، و مرتبته، حتى كان حاله- صلى اللّه عليه و سلم- فيما مضى بالنسبة إلى ما هو فيه ترك للأفضل، فكان له فى كل ساعة تقوى تتجدد.
[١] سورة الفتح: ٢.
[٢] سورة الفتح: ٣.
[٣] يشير إلى قول اللّه عز و جل: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً سورة الفتح: ١.
[٤] سورة النجم: ٣، ٤.
[٥] سورة الأحزاب: ١.