المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢١ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و دخلت عليه عميرة بنت مسعود هى و أخواتها يبايعنه و هن خمس فوجدنه يأكل قديدا فمضغ لهن قديدة فمضغتها كل واحدة منهن قطعة قطعة فلقين اللّه و ما وجدن لأفواههن خلوف [١]، رواه الطبرانى.
و مسح- صلى اللّه عليه و سلم- بيده الشريفة بعد أن نفث فيها من ريقه على ظهر عتبة و بطنه و كان به شرى، فما كان يشم أطيب منه رائحة. رواه الطبرانى. و أعطى الحسن لسانه- و كان قد اشتد ظمؤه- فمصه حتى روى. رواه ابن عساكر.
و للّه در إمام العارفين سيدى محمد وفا الشاذلى حيث يقول:
جنى النحل فى فيه و فيه حياتنا * * * و لكنه من لى بلثم لثامه
رحيق الثنايا و المثانى تنفست * * * إذا قال فى فيح بطيب ختامه
و أما فصاحة لسانه و جوامع كلمه، و بديع بيانه و حكمه، فكان- صلى اللّه عليه و سلم- أفصح خلق اللّه، و أعذبهم كلاما، و أسرعهم أداء، و أحلاهم منطقا، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب و يسلب الأرواح.
ينظم در الثغر نثر مقوله * * * ما حسنه فى نثره و نظامه
يناجى فينجى من يناجى من الجوى * * * فكل كليم برؤه فى كلامه
ففصاحة لسانه- صلى اللّه عليه و سلم- غاية لا يدرك مداها، و منزلة لا يدانى منتهاها، و كيف لا يكون ذلك و قد جعل اللّه تعالى لسانه سيفا من سيوفه، يبين عن مراده، و يدعو به إليه عباده، فهو ينطق بحكمه عن أمره، و يبين عن مراده بحقيقة ذكره.
أفصح خلق اللّه إذا لفظ، و أنصحهم إذا وعظ، لا يقول هجرا، و لا ينطق هذرا، كلامه كله يثمر علما، و يمتثل شرعا و حكما، لا يتفوه بشر بكلام أحكم منه فى مقالته، و لا أجزل منه فى عذوبته.
و خليق بمن عبر عن مراد اللّه بلسانه، و أقام به الحجة على عباده ببيانه،
[١] ضعيف: و ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٨/ ٢٨٣) و قال: رواه الطبرانى و فيه إسحاق بن إدريس الأسوارى، و هو ضعيف.