المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٦٦ - الفصل الثالث فى قسمه تعالى على تصديقه فيما أوتى به من وحيه و كتابه و تنزيهه عن الهوى فى خطابه
أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها، و من أنكرها كفر قطعا، و أما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق. و قد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره، فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، و إن كانت رؤية الرب سبحانه أعظم من رؤية جبريل، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة.
ثم نزه تعالى رسوليه كليهما- صلى اللّه عليهما و سلم-، أحدهما بطريق النطق، و الثانى بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة و البخل و التبديل و التغيير الذي يوجب التهمة، فقال: وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [١] فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين: أدائها من غير كتمان و أدائها على وجهها من غير زيادة و لا نقصان. و القراءتان كالآيتين، تضمنت إحداهما- و هى قراءة الضاد- تنزيهه عن البخل، فإن الضنين: البخيل، يقال: ضننت به أضن، بوزن: بخلت أبخل و معناه، و قال ابن عباس: ليس ببخيل بما أنزل اللّه، و قال مجاهد: لا يضن عليهم بما يعلم.
و أجمع المفسرون على أن الغيب هاهنا: القرآن و الوحى. قال الفراء:
يقول اللّه تعالى: يأتيه غيب من السماء و هو منفوس فيه، فلا يضنن به عليكم. و هذا معنى حسن جدّا، فإن عادة النفوس الشح بالشىء النفيس، و لا سيما عمن لا يعرف قدره، و مع هذا فالرسول- صلى اللّه عليه و سلم- لا يبخل عليكم بالوحى الذي هو أنفس شيء و أجله. و قال أبو على الفارسى: المعنى يأتيه الغيب فيبينه و يخبر به و يظهره و لا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده و يخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا.
و أما قراءة من قرأ (بظنين) بالظاء فمعناه: المتهم، يقال: ظننت زيدا بمعنى اتهمته و ليس هو من الظن الذي هو الشعور و الإدراك، فإن ذلك يتعدى إلى مفعولين، و المعنى: و ما هذا الرسول على القرآن بمتهم، بل هو أمين فيه لا يزيد فيه و لا ينقص منه. و هذا يدل على أن الضمير فيه يرجع إلى محمد
[١] سورة التكوير: ٢٤.