المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٤٨ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
أن ذلك وقع تأنيسا له بالعادة، فى مقام خرق العادة، لأن العادة جرت أن الملك إذا استدعى من يختص به بعث إليه بمركوب سنى يحمله عليه فى وفادته إليه.
و فى كلام بعض أهل الإشارات: لما كان- صلى اللّه عليه و سلم- ثمرة شجرة الكون و درة صدفة الوجود، و سرّ معنى كلمة «كن» و لم يكن بد من عرض هذه الثمرة بين يدى مثمرها رفعها إلى حضرة قربه، و الطواف بها على ندمان حضرته، أرسل إليه أعز خدام الملك عليه، فلما ورد عليه قادما، وافاه على فراشه نائما، فقال له قم يا نائم، فقد هيئت لك الغنائم. قال: يا جبريل إلى أين؟ قال: يا محمد ارفع «الأين» من البين، إنما أنا رسول القدم أرسلت إليك لأكون من جملة الخدم، يا محمد أنت مراد الإرادة، الكل مراد لأجلك، و أنت مراد لأجله، أنت صفوة كأس المحبة، أنت درة هذه الصدفة، أنت شمس المعارف، أنت بدر اللطائف، ما مهدت الدار إلا لأجلك، ما حمى ذلك الحمى إلا لوصلك، و ما روّق كأس المحبة إلا لشربك. فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: يا جبريل فالكريم يدعونى إليه، فما الذي يفعل بى؟ قال: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، قال: يا جبريل هذا لى، فما لعيالى و أطفالى؟ قال: و لسوف يعطيك ربك فترضى، قال: يا جبريل الآن طاب قلبى ها أنا ذاهب إلى ربى، ثم قال جبريل: يا محمد إنما جيء بى إليك الليلة لأكون خادم دولتك، و حاجب حاشيتك، و حامل غاشيتك، و جيء بالمركوب إليك لإظهار كرامتك، لأن من عادة الملوك إذا استزاروا حبيبا أو استودعوا قريبا و أرادوا ظهور إكرامه و احترامه أرسلوا أخص خدامهم و أعز نوابهم لنقل أقدامهم، فجئناك على رسم عادة الملوك و آداب السلوك، و من اعتقد أنه وصل إليه بالخطا فقد وقع بالخطإ، و من ظن أنه محجوب بالغطا فقد حرم العطا.
انتهى [١].
و الحكمة فى كون البراق دابة دون البغل و فوق الحمار أبيض، و لم يكن على شكل الفرس، إشارة إلى أن الركوب كان فى سلم و أمن لا فى حرب
[١] قلت: و منذ متى نأخذ ديننا من أهل الإشارات، أجهل الأمة بهذا الدين، و الأولى العمل بأهل التصريحات الذين هم سلف هذه الأمة الصحابة و التابعون على هداهم إلى يوم الدين.