المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٧٥ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
فتح البارى- بعد أن ذكر كلام ابن أبى جمرة-: و هذا مشكل جدّا، و لو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، و لأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة.
و للشيخ مسلم شيخ الطائفة المسلمية شعر:
فمن يدعى فى هذه الدار أنه * * * يرى المصطفى حقّا فقد فاه مشتطا
و لكن بين النوم و اليقظة التي * * * يباشر هذا الأمر مرتبة وسطا
و قد جعل القاضى أبو بكر بن العربى القول بأن الرؤية فى المنام بعينى الرأس غلو و حماقة، ثم حكى ما نسب لبعض المتكلمين، و هو القول بأنها مدركة بعينين فى القلب، و أنه ضرب من المجاز انتهى.
فلا يمتنع من الخواص، أرباب القلوب القائمين بالمراقبة و التوجه على قدم الخوف، بحيث لا يسكنون بشيء مما يقع لهم من الكرامات، فضلا عن التحدث بها لغير ضرورة، مع السعى فى التخلص من الكدورات، و الإعراض عن الدنيا و أهلها جملة، و كون الواحد منهم يود أنه يخرج من أهله و ماله، و أنه يرى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، كالشيخ عبد القادر الكيلانى: أن يتمثل صورته- صلى اللّه عليه و سلم- فى خاطره، و يتصور فى عالم سره أنه يكلمه، بشرط استقرار ذلك و عدم اضطرابه، فإن تزلزل أو اضطراب كان لمة من الشيطان، و ليس ذلك خادشا فى علو مناصبهم لعدم عصمة غير الأنبياء.
فقد قال العلامة التاج ابن السبكى فى جمع الجوامع- تبعا لغيره-: و إن الإلهام ليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصوما بخواطره، و حينئذ فمن قال- ممن حكينا عنه أو غيرهم- بأن المرئى هو المثال، لا يمتنع حمله على هذا، بل حمل كل من أطلق عليه هو اللائق. و قريب منه قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «إنى رأيت الجنة و النار» [١] مع مزيد استبعاده هناك أن يكون المراد بالرؤية رؤية العلم.
[١] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٧٤٩) فى الأذان، باب: رفع البصر إلى الإمام فى الصلاة، و مسلم (٤٢٦) فى الصلاة، باب: تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود و نحوها من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.