المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٤٣ - النوع الأول فى عيشه- صلى اللّه عليه و سلم- فى المأكل و المشرب
نور الدين و آدابه و سننه، التي يزم العبد بزمامها، و يلجم المتقى بلجامها، حتى يزن بميزان الشرع، شهوة الطعام فى إقدامها و إحجامها، فيصير بسببها مدفعة للوزر و مجلبة للأجر.
و اعلم أن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول، و قد روى النسائى و ابن ماجه و صححه الحاكم من حديث المقدام بن معدى كرب أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، حسب الآدمى لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمى نفسه فثلث للطعام و ثلث للشراب و ثلث للنفس» [١].
قال القرطبى فى شرح «الأسماء» كما نقله شيخ الإسلام و الحافظ ابن حجر: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. و قال غيره: إنما خص الثلاثة بالذكر لأنها أسباب حياة الحيوان، و لأنه لا يدخل البطن سواها.
و هل المراد بالثلث التساوى على ظاهر الخبر، أو التقسيم على ثلاثة أقسام متقاربة؟ محل احتمال. و قد صح، (المؤمن يأكل فى معى واحد- و هى بكسر الميم مقصور: المصارين- و الكافر يأكل فى سبعة أمعاء) [٢] و ليست حقيقة العدد مرادة، و تخصيص السبعة للمبالغة فى التكثير، و المعنى: أن المؤمن من شأنه التقلل من الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة و لعلمه بأن مقصود الشرع من الأكل ما سد الجوع، و يعين على العبادة، و لخشيته أيضا من حساب من زاد على ذلك، و الكافر بخلاف ذلك.
و عند أهل التشريح أن أمعاء الإنسان سبعة؛ المعدة ثم ثلاثة أمعاء بعدها
[١] صحيح: أخرجه الترمذى (٢٣٨٠) فى الزهد، باب: ما جاء فى كراهية كثرة الأكل، و ابن ماجه (٣٣٤٩) فى الأطعمة، باب: الاقتصاد فى الأكل و كراهة الشبع، و أحمد فى «المسند» (٤/ ١٣٢)، و ابن حبان فى «صحيحه» (٥٢٣٦)، و الحاكم فى «مستدركه» (٤/ ٣٦٧)، و قال الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٥٦٧٤): صحيح.
[٢] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٥٣٩٣- ٥٣٩٥) فى الأطعمة، باب: المؤمن يأكل فى معى واحد، و مسلم (٢٠٦٠ و ٢٠٦١) فى الأشربة، باب: المؤمن يأكل فى معى واحد، من حديث ابن عمر- رضى اللّه عنهما-.