المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٣٠ - النوع الرابع فى نومه- صلى اللّه عليه و سلم
و كيف ينام عاشق مسبى فى الحب مستهامناظر إلى وجه الحبيب شاخص على الدوام
أتاه فى المعنى مرسوم أن يمحى الرسوم
فقال بالحى القيوم يا سعد من يقوم
و قد جمع العلماء بين هذا الحديث و بين حديث نومه- صلى اللّه عليه و سلم- فى الوادى عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس و حميت حتى أيقظه عمر- رضى اللّه عنه- بالتكبير [١].
فقال النووى: له جوابان، أحدهما: أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث و الألم و نحوهما، و لا يدرك ما يتعلق بالعين لأنها نائمة و القلب يقظان، و الثانى: أنه كان له حالان، حال كان قلبه لا ينام و هو الأغلب، و حال ينام فيه قلبه و هو نادر، فصادف هذا، أى قصة النوم عن الصلاة. قال: و الصحيح المعتمد هو الأول و الثانى ضعيف.
قال فى فتح البارى: و هو كما قال، و لا يقال: القلب- و إن كان لا يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلا- لكنه يدرك إذا كان يقظانا مرور الوقت الطويل، فإن من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حميت الشمس مدة طويلة، لا تخفى على من لم يكن مستغرقا، لأنا نقول: يحتمل أن يقال:
كان قلبه- صلى اللّه عليه و سلم- إذ ذاك مستغرقا بالوحى، و لا يلزم من ذلك وصفه بالنوم، كما كان يستغرق- صلى اللّه عليه و سلم- حالة إلقاء الوحى فى اليقظة، و تكون الحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل، لأنه أوقع فى النفس، كما فى قصة سهوه فى الصلاة، و قريب من هذا جواب ابن المنير: أن القلب يحصل له السهو فى اليقظة لمصلحة التشريع، ففى النوم بطريق الأولى، أو على السواء.
و قال ابن العربى فى القبس: النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- كيفما اختلف حاله من نوم أو يقظة فى حق و تحقيق، و مع الملائكة فى كل طريق، إن نسى فباكد من
[١] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٣٤٤) فى التيمم، باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء، و مسلم (٦٨٢) فى المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة و استحباب تعجيلها، من حديث عمران بن حصين- رضى اللّه عنه-.