المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦١ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و قد كان هذا من خصائصه- صلوات اللّه و سلامه عليه- أن يكلم كل ذى لغة بليغة بلغته على اختلاف لغة العرب و تركيب ألفاظها و أساليب كلمها، و كان أحدهم لا يتجاوز لغته، و إن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربى، و ما ذلك منه- صلى اللّه عليه و سلم- إلا بقوة إلهية و موهبة ربانية، لأنه بعث إلى الكافة طرا، و إلى الخليقة سودا و حمرا، و الكلام باللسان يقع فى غاية البيان، و لا يوجد غالبا متكلم بغير لغته إلا قاصرا فى الترجمة نازلا عن صاحب الأصالة فى تلك اللغة، إلا نبينا و سيدنا محمد- صلى اللّه عليه و سلم- كما تقدم، فإنه زاده اللّه تكريما و شرفا تكلم فى كل لغة من لغة العرب أفصح و أنصع بلغاتها منها بلغة نفسها، و جدير به ذلك فقد أوتى فى سائر القوى البشرية المحمودة زيادة و مزية على الناس، مع اختلاف الأصناف و الأجناس ما لا يضبطه قياس و لا يدخل فى تحقيقه إلباس. انتهى.
و أما صوته الشريف، فعن أنس قال: ما بعث اللّه نبيّا قط إلا بعثه حسن الوجه حسن الصوت، حتى بعث اللّه نبيكم- صلى اللّه عليه و سلم- فبعثه حسن الوجه حسن الصوت، رواه ابن عساكر، و روى نحوه من حديث على بن أبى طالب، و روى أنه كان إذا تكلم رؤى كالنور يخرج من ثناياه [١]. و قد كان صوته- صلى اللّه عليه و سلم- يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء قال: «خطبنا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- حتى أسمع العواتق فى خدورهن» [٢] رواه البيهقي.
و قالت عائشة- رضى اللّه عنها- جلس رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يوم الجمعة على المنبر فقال للناس: «اجلسوا»، فسمعه عبد اللّه بن رواحة و هو فى بنى غنم فجلس فى مكانه [٣] رواه أبو نعيم.
و قال عبد الرحمن بن معاذ التيمى: خطبنا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- بمنى، ففتحت أسماعنا- و فى لفظ ففتح اللّه أسماعنا- حتى إن كنا لنسمع ما يقول و نحن فى منازلنا. رواه ابن سعد [٤].
[١] تقدم.
[٢] أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (٦/ ٢٥٦).
[٣] أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (٦/ ٢٥٦).
[٤] أخرجه ابن سعد فى «طبقاته» (٢/ ١٧٥).