المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٦٧ - الفصل الثالث فى قسمه تعالى على تصديقه فيما أوتى به من وحيه و كتابه و تنزيهه عن الهوى فى خطابه
- صلى اللّه عليه و سلم-، لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكى بالأمانة ثم قال وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [١] ثم قال: و ما هو: أى و ما صاحبكم بمتهم و بخيل فنفى سبحانه عن رسوله- صلى اللّه عليه و سلم- ذلك كله، و زكى سند القرآن أعظم تزكية. و اللّه يقول الحق و هو يهدى السبيل.
و قال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَ ما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [٢] الآية. أقسم تعالى بالأشياء كلها، ما يبصرون منها و ما لا يبصرون، و هذا أعمّ قسم وقع فى القرآن، فإنه يعم العلويات و السفليات، و الدنيا و الآخرة، و ما يرى و ما لا يرى و يدخل فى ذلك الملائكة كلهم و الجن و الإنس و العرش و الكرسى و كل مخلوق، و ذلك من آيات قدرته و ربوبيته، ففى ضمن هذا القسم أن كل ما يرى و ما لا يرى آية و دليل على صدق رسوله- صلى اللّه عليه و سلم-، و أن ما جاء به هو من عند اللّه تعالى و هو كلامه تعالى، لا كلام شاعر و لا مجنون، و لا كاهن، و أنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها و ما لا يرى حق، كما قال تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [٣] فكأنه سبحانه و تعالى يقول: إن القرآن حق كما أن ما تشاهدونه من الخلق و ما لا تشاهدونه حق موجود، و يكفى الإنسان من جميع ما يبصره «نفسه» و مبدأ خلقه و نشأته و ما يشاهد من أحواله ظاهرا و باطنا، ففى ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب سبحانه و ثبوت صفاته و صدق ما أخبر به رسوله- صلى اللّه عليه و سلم-، و من لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم يخالط بشاشة الإيمان قلبه.
ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله، و أنه لم يتقول عليه فيما قاله، و أنه لو تقول عليه و افترى لما أقره و لعاجله بالإهلاك، فإن كمال علمه و قدرته و حكمته تأبى أن يقر من تقول عليه و افترى عليه، و أضل عباده
[١] سورة التكوير: ٢٢.
[٢] سورة الحاقة: ٣٨- ٤٠.
[٣] سورة الذاريات: ٢٣.