المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٨٣ - النوع السابع فى آيات تتضمن وجوب طاعته و اتباع سنته
الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، و إن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، و إذا أرادوا الرؤية و التلاقى قدروا على ذلك، فهذا هو المراد من هذه المعية، و قد ثبت و صح عنه- صلى اللّه عليه و سلم- أنه قال:
«المرء مع من أحب» [١]، و ثبت عنه أيضا أنه قال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا و لا نزلتم منزلا إلا و هم معكم حبسهم العذر» [٢]، فالمعية و الصحبة الحقيقية إنما هى بالسر و الروح لا بمجرد البدن، فهى بالقلب لا بالقالب، و لهذا كان النجاشى معه- صلى اللّه عليه و سلم- و من أقرب الناس إليه، و هو بين النصارى بأرض الحبشة، و عبد اللّه بن أبى من أبعد الخلق عنه، و هو معه فى المسجد، و ذلك أن العبد إذا أراد بقلبه أمرا من طاعة أو معصية أو شخص من الأشخاص فهو بإرادته و محبته معه لا يفارقه، فالأرواح تكون مع الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- و أصحابه- رضى اللّه عنهم-، و بينها و بينهم من المسافة الزمانية و المكانية بعد عظيم.
و قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [٣]. و هذه الآية الشريفة تسمى: آية المحبة، قال بعض السلف:
ادعى قوم محبة اللّه فأنزل اللّه آية المحبة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [٤] و قال تعالى: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [٥] إشارة إلى دليل المحبة و ثمرتها و فائدتها، فدليلها و علامتها اتباع الرسول، و فائدتها و ثمرتها محبة المرسل لكم، فما لم تحصل المتابعة فلا محبة لكم حاصلة، و محبته لكم منتفية، فجعل سبحانه اتباع رسوله- صلى اللّه عليه و سلم- مشروطا بمحبتهم للّه، و شرطا لمحبة اللّه لهم، و وجود المشروط ممتنع بدون وجود تحقق شرطه، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة،
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٦١٦٨ و ٦١٦٩) فى الأدب، باب: علامة الحب فى اللّه عز و جل، و مسلم (٢٦٤٠) فى البر و الصلة، باب: المرء مع من أحب، من حديث عبد اللّه ابن مسعود- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٤٤٢٣) فى المغازى، باب: نزول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- الحجر، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.
[٣] سورة آل عمران: ٣١.
[٤] سورة آل عمران: ٣١.
[٥] سورة آل عمران: ٣١.