المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥١ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و حديث «لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [١] رواه الشيخان.
فالحديث الأول: يشتمل على ربع العبادات.
و الثانى: على ربع المعاملات.
و الثالث: على ربع الحكومات و فصل الخصومات.
و الرابع: على ربع الآداب و المناصفات و يدخل تحته التحذير من الجنايات. قاله ابن المنير.
و مما عدّ أيضا من أنواع بلاغته كلامه- صلى اللّه عليه و سلم- مع كل ذى لغة بليغة بلغته اتساعا فى الفصاحة، و استحداثا للألفة، فكان- صلى اللّه عليه و سلم- يخاطب أهل الحضر و بكلام ألين من الدهن و أرق من المزن، و يخاطب أهل البدو بكلام أرسى من الهضب، و أرهف من العضب.
فانظر إلى دعائه لأهل المدينة و قد سألوه ذلك فقال: «اللهم بارك لهم فى مكيالهم و بارك لهم فى صاعهم و مدهم» [٢] و فى حديث آخر: «اللهم بارك لنا فى تمرنا و بارك لنا فى مدينتنا، و بارك لنا فى صاعنا، و بارك لنا فى مدنا. اللهم إنى أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة و مثله معه».
ثم انظر دعاءه لبنى نهد و قد وفدوا عليه فى جملة الوفود، فقام طهفة ابن رهم النهدى يشكو الجدب فقال: أتيناك يا رسول اللّه من غورى تهامة، بأكوار الميس، ترتمى بنا العيس، نستحلب الصبير، و نستخلب الخبير، و نستعضد البرير، و نستخيل الرهام، و نستجيل الجهام، من أرض غائلة النطا،
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٣) فى الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، و مسلم (٤٥) فى الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-، و هو فيها بلفظ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٢١٣٠) فى البيوع، باب: بركة صاع النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و مدهم، و مسلم (١٣٦٨) فى الحج، باب: فضل المدينة، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.