المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٨١ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و أحفوا الشوارب» [١]. و اختلف فى قص الشارب و حلقه أيهما أفضل: ففى الموطأ يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، و عن ابن عبد الحكم عن مالك قال: و يحفى الشارب و يعفى اللحية، و ليس إحفاء الشارب حلقه، و أرى تأديب من حلق شاربه. و عن أشهب أن حلقه بدعة قال: و أرى أن يوجع ضربا من فعله. و قال النووى: المختار أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة و لا يحفه من أصله. و قال الطحاوى: لم نجد عن الشافعى شيئا منصوصا فى هذا، و كان المزنى و الربيع يحفيان شاربهما. و أما أبو حنيفة و صاحباه فمذهبهم فى شعر الرأس و الشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير. و أما أحمد، فقال الأثرم رأيته يحفى شاربه شديدا. و قد اختلفوا فى كيفية قص الشارب، هل يقص طرفاه أيضا، و هم المسميان بالسبالين أم تترك السبالان كما يفعله كثير من الناس؟
قال الغزالى فى الإحياء: لا بأس بترك سباليه و هما طرفا الشارب. فعل ذلك عمر- رضى اللّه عنه- و غيره، لأن ذلك لا يستر الفم و لا يبقى فيه غمرة الطعام إذ لا يصل إليه انتهى. و روى أبو داود عن جابر قال: كنا [نعفى] السبال إلا فى حج أو عمرة [٢]. و كره بعضهم إبقاءه لما فيه من التشبه بالأعاجم بل بالمجوس و أهل الكتاب، و هذا أولى بالصواب لما رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث ابن عمر قال: ذكر لرسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- المجوس فقال: «إنهم يوفرون سبالهم و يحلقون لحاهم فخالفوهم» [٣]، فكان يجز سباله كما يجز الشاة أو البعير. و روى أحمد فى مسنده فى أثناء حديث لأبى أمامة. فقلنا: يا رسول اللّه، فإن أهل الكتاب يقصون عثانينهم و يوفرون سبالهم فقال: «قصوا
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٥٨٩٢) فى اللباس، باب: تقليم الأظفار، و مسلم (٢٥٩) فى الطهارة، باب: خصال الفطرة، من حديث ابن عمر- رضى اللّه عنهما-.
[٢] أخرجه أبو داود (٤٢٠١) فى الترجل، باب: فى أخذ الشارب.
[٣] حسن: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٥٤٧٦) من حديث ابن عمر- رضى اللّه عنهما-، و قال الشيخ شعيب الأرناءوط: إسناده حسن.