المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٧١ - النوع الأول فى عيشه- صلى اللّه عليه و سلم- فى المأكل و المشرب
قال ابن بطال: إنما فعل ذلك النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- تواضعا للّه، ثم ذكر من طريق أيوب عن الزهرى قال: أتى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- ملك لم يأته قبلها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون نبيّا ملكا أو نبيّا عبدا، فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأومأ إليه أن تواضع، فقال: «بل عبدا نبيّا» قال فما أكل متكئا [١].
و هذا مرسل أو معضل، و قد وصله النسائى من طريق الزبيدى عن الزهرى عن محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن العاصى قال: ما رؤى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يأكل متكئا قط. و أخرج ابن أبى شيبة عن مجاهد قال: ما أكل النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- متكئا إلا مرة واحدة. و يمكن الجمع بأن تلك المرة التي فى أثر مجاهد لم يطلع عليها عبد اللّه بن عمرو. فقد أخرج ابن شاهين «فى ناسخه» من مرسل عطاء بن يسار: أن جبريل رأى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يأكل متكئا فنهاه، و روى ابن ماجه أنه- صلى اللّه عليه و سلم- نهى أن يأكل الرجل و هو منبطح على وجهه [٢]. و قد فسر القاضى عياض فى الشفاء الاتكاء بالتمكن للأكل و التقعدد للجلوس له كالمتربع و شبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته. قال:
و الجالس على هذه الهيئة يستدعى الأكل و يستكثر منه. و النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إنما كان جلوسه للأكل المستوفز مقعيا. قال: و ليس معنى الحديث فى الاتكاء الميل على شق عند المحققين انتهى. و الإقعاء: أن يلصق أليتيه بالأرض و ينصب ساقيه و يتساند إلى ظهره، و هو المنهى عنه فى الصلاة.
و تفسير القاضى عياض الاتكاء بما فسره به حكاه فى الإكمال عن الخطابى، و قال: إن الخطابى خالف فى هذا التأويل أكثر الناس، و أنهم إنما حملوا الاتكاء على أنه الميل على أحد الجانبين. انتهى. و الذي رأيته يعزى للخطابى: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه و ليس كذلك،
[١] تقدم.
[٢] حسن: أخرجه أبو داود (٣٧٧٤) فى الأطعمة، باب: ما جاء فى الجلوس على مائدة عليها بعض ما يكره، و ابن ماجه (٣٣٧٠) فى الأطعمة، باب: النهى عن الأكل منبطحا، من حديث عبد اللّه بن عمر- رضى اللّه عنهما-، و الحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه».