المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٣٧ - النوع الثالث فى وصفه له- صلى اللّه عليه و سلم- بالشهادة و شهادته له بالرسالة
فى كتابه، و ارتباطها بالخلق و الأمر و الثواب و العقاب. انتهى. و قال تعالى:
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (٤٥) وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً [١]. أى شاهدا على الوحدانية، و شاهدا فى الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة و النار و الميزان و الصراط، و شاهدا فى الآخرة بأحوال الدنيا، و بالطاعة و المعصية و الصلاح و الفساد، و شاهدا على الخلق يوم القيامة كما قال تعالى:
وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [٢]. كأنه تعالى يقول: يا أيها المشرّف من قبلنا، إنا أرسلناك شاهدا بوحدانيتنا و مشاهدا كمال فردانيتنا، تبشر عبادنا عنا، و تحذرهم مخالفة أمرنا، و تعلمهم مواضع الخوف منا، و داعيا الخلق إلينا، و سراجا يستضيئون بك، و شمسا تبسط شعاعك على جميع من صدقك و آمن بك، و لا يصل إلينا إلا من اتبعك و خدمك و قدمك، فبشر بفضلنا و طولنا عليهم و إحساننا إليهم.
و لما كان اللّه تعالى قد جعله- صلى اللّه عليه و سلم- شاهدا على الوحدانية، و الشاهد لا يكون مدعيا، فاللّه تعالى لم يجعل النبيّ فى مسألة الوحدانية مدعيا لها، لأن المدعى من يقول شيئا على خلاف الظاهر، و الوحدانية أظهر من الشمس، و النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- كان ادعى النبوة، فجعل اللّه تعالى نفسه شاهدا له فى مجازاة كونه شاهدا له تعالى فقال سبحانه: وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [٣]، و من هذا قوله تعالى: وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [٤] فاستشهد على رسالته بشهادة اللّه له. و كذلك قوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ [٥]، و قوله:
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفى بِاللَّهِ
[١] سورة الأحزاب: ٤٥، ٤٦.
[٢] سورة البقرة: ١٤٣.
[٣] سورة المنافقون: ١.
[٤] سورة الرعد: ٤٣.
[٥] سورة الأنعام: ١٩.