المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣٢ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
من حديث أبى هريرة، و فيه دلالة على اختصاصه- صلى اللّه عليه و سلم- بمعارف بصرية و قلبية. و قد يطلع اللّه تعالى عليها غيره من المخلصين من أمته لكن بطريق الإجمال، و أما تفصيلها فاختص بها- صلى اللّه عليه و سلم-.
و فى صحيح مسلم من حديث أنس أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «و الذي نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا» قالوا: و ما رأيت يا رسول اللّه قال: «رأيت الجنة و النار» [١].
فقد جمع اللّه له بين علم اليقين و عين اليقين مع الخشية القلبية، و استحضار العظمة الإلهية على وجه لم يجتمع لغيره، و لذا قال: «إن أتقاك و أعلمكم باللّه أنا» [٢] و هو فى الصحيح من حديث عائشة: و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يصلى و لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء [٣] رواه النسائى و ابن خزيمة و ابن حبان فى صحيحه بلفظ: كأزيز الرحا، أى خنين من الخوف- بالخاء المعجمة- و هو صوت البكاء. و قيل: و هو أن يجيش جوفه و يغلى بالبكاء.
و أما ما روى من شجاعته- صلى اللّه عليه و سلم- و نجدته و قوته فى اللّه و شدته، فعن أنس: (كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أحسن الناس و أجود الناس و أشجع الناس)، لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- راجعا قد سبقهم إلى الصوت و استبرأ الخبر على فرس لأبى طلحة عرى و السيف فى عنقه و هو يقول: «لن تراعوا».
و فى رواية: كان فزع بالمدينة فاستعار النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فرسا من أبى طلحة يقال له المندوب، فركب فلما رجع قال: «ما رأينا من شيء، و إن وجدناه
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٤٢٦) فى الصلاة، باب: تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود.
[٢] صحيح: و قد تقدم قريبا.
[٣] صحيح: أخرجه أبو داود (٩٠٤) فى الصلاة، باب: البكاء فى الصلاة، و النسائى (٣/ ١٣) فى السهو، باب: البكاء فى الصلاة، و أحمد فى «المسند» (٤/ ٢٥)، و ابن حبان فى «صحيحه» (٦٦٥ و ٧٥٣)، و ابن خزيمة فى «صحيحه» (٩٠٠) من حديث عبد اللّه بن الشخير- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».