المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٢٦ - النوع الأول فى آيات تتضمن تعظيم قدره و رفعة ذكره و جليل رتبته و علو درجته على الأنبياء و تشريف منزلته
العظيم و النصر على الأعداء. و أما الحوض و سائر ما أعدّ له من الثواب فهو و إن جاز أن يقال: إنه داخل فيه لأن ما ثبت بحكم وعد اللّه فهو كالواقع، إلا أن الحقيقة ما قدمناه، لأن ذلك و إن أعدّ له فلا يصح أن يقال على الحقيقة إنه أعطاه الكوثر فى حال نزول هذه السورة بمكة، و يحتمل أن يجاب عنه بأن من أقر لولده الصغير بشيء له، يصح أن يقال: أعطاه ذلك الشيء مع أن الصبى فى ذلك الحال ليس أهلا للتصرف. انتهى.
و قد روينا فى صحيح مسلم من حديث أنس (بينما رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا ما يضحكك أضحك اللّه سنك، يا رسول اللّه؟ قال: «نزلت على آنفا سورة فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [١]. ثم قال: أ تدرون ما الكوثر؟ قلنا اللّه و رسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربى، عليه خير كثير، و هو حوض ترد عليه أمتى عليه يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتى، فيقول: ما تدرى ما أحدث بعدك) [٢]. و هذا تفسير صريح منه- صلى اللّه عليه و سلم- بأن المراد بالكوثر- هنا- الحوض، فالمصير إليه أولى، و هذا هو المشهور كما تقدم. فسبحان من أعطاه هذه الفضائل العظيمة و شرفه بهذه الخصال العميمة، و حباه بما أفاضه عليه من نعمه الجسيمة.
و قد جرت عادة اللّه مع أنبيائه- عليهم الصلاة و السلام- أن يناديهم بأسمائهم الأعلام نحو: يا آدَمُ اسْكُنْ [٣] يا نُوحُ اهْبِطْ [٤] يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ [٥] يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ [٦]، و أما نبينا محمد
[١] سورة الكوثر: ١- ٣.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (٤٠٠) فى الصلاة، باب: حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة.
[٣] سورة البقرة: ٣٥.
[٤] سورة هود: ٤٨.
[٥] سورة القصص: ٣٠.
[٦] سورة المائدة: ١١٠.