المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٦٨ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من أضغاث الأحلام. و من المعلوم أنه يرى فى النوم على حالة بخلاف حالته فى الدنيا من الأحوال اللائقة به، و لو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله:
«فإن الشيطان لا يتمثل بى» فالأولى أن ننزه رؤياه، و كذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ فى الحرمة، و أليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان فى يقظته، فالصحيح فى تأويل هذا الحديث: أن مقصوده أن رؤيته فى كل حالة ليست باطلة و لا أضغاثا، بل هى حق فى نفسها، و لو رؤى على غير صورته، فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هو من قبل اللّه، و هذا قول القاضى أبى بكر الطيب و غيره. و يؤيده قوله: «فقد رأى الحق» أشار إليه القرطبى.
و قال ابن بطال: قوله: «فسيرانى فى اليقظة» يريد تصديق تلك الرؤيا فى اليقظة و صحتها و خروجها على الحق، و ليس المراد أنه يراه فى الآخرة، لأنه سيراه يوم القيامة فى اليقظة جميع أمته، من رآه فى النوم و من لم يره.
و قال المازرى: إن كان المحفوظ «فكأنما رآنى فى اليقظة» فمعناه ظاهر، و إن كان المحفوظ «فسيرانى فى اليقظة» احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن لم يهاجر إليه، فإنه إذ رآه فى المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك فى اليقظة، و أوحى اللّه بذلك إليه- صلى اللّه عليه و سلم-. و قيل معناه: سيرى تأويل تلك الرؤيا فى اليقظة و صحتها.
و أجاب القاضى عياض: باحتمال أن تكون رؤياه له فى النوم على الصفة التي عرف بها، و وصف عليها، موجبة لتكرمته فى الآخرة، و أن يراه رؤية خاصة من القرب منه، أو الشفاعة له، بعلو الدرجة و نحو ذلك من الخصوصيات. قال: و لا يبعد أن يعاقب اللّه بعض المذنبين فى القيامة بمنع رؤية نبيه- صلى اللّه عليه و سلم- مدة.
و حمله ابن أبى جمرة على محمل آخر، فذكر عن ابن عباس أو غيره، أنه رأى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى النوم، فبقى بعد اليقظة متفكرا فى هذا الحديث،