المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٣٩ - تعريف المعجزة بالدليل
فقط، و من أثبت للأولياء خوارق عادات سماها: كرامات، و السلف كانوا يسمون هذا و هذا معجزا كالإمام أحمد و غيره، بخلاف ما كان آية و برهانا على نبوة النبيّ فإن هذا يجب اختصاصه به. و قد يسمون الكرامات آيات لكونها تدل على نبوة من اتبعه ذلك الولى، فإن الدليل مستلزم للمدلول، يمتنع ثبوته بدون ثبوت المدلول، فلذلك كان آية و برهانا، انتهى.
و إذا علمت هذا، فاعلم أن دلائل نبوة نبينا- صلى اللّه عليه و سلم- كثيرة، و الأخبار بظهور معجزاته شهيرة. فمن دلائل نبوته: ما وجد فى التوراة و الإنجيل و سائر كتب اللّه المنزلة من ذكره و نعته، و خروجه بأرض العرب، و ما خرج بين يدى أيام مولده و مبعثه من الأمور العجيبة الغريبة القادحة فى سلطان الكفر، الموهنة لكلمتهم المؤيدة لشأن العرب. المنوهة لذكرهم، كقصة الفيل، و ما أحل اللّه تعالى بأصحابه من العقوبات و النكال، و خمود نار فارس و سقوط شرفات إيوان كسرى، و غيض ماء بحيرة ساوة، و رؤيا الموبذان [١]، و ما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته و أوصافه، و انتكاس الأصنام المعبودة و خرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها، إلى سائر ما روى و ما نقل فى الأخبار المشهورة من ظهور العجائب فى ولادته و أيام حضانته و بعدها إلى أن بعثه اللّه نبيّا.
و لم يكن له- صلى اللّه عليه و سلم- ما يستميل به القلوب من مال فيطمع فيه، و لا قوة فيقهر بها الرجال، و لا أعوان على الرأى الذي أظهره، و الدين الذي دعا إليه، و كانوا يجتمعون على عبادة الأصنام، و تعظيم الأزلام، مقيمين على عادة الجاهلية فى العصبة و الحمية، و التعادى و التباغى و سفك الدماء، و شن الغارة و لا تجمعهم ألفة دين، و لا يمنعهم عن سوء أفعالهم نظر فى عاقبة، و لا خوف عقوبة و لائمة، فألف- صلى اللّه عليه و سلم- بين قلوبهم و جمع كلمتهم، حتى اتفقت الآراء و تناصرت القلوب، و ترادفت الأيدى، فصاروا إلبا واحدا فى نصرته، و عنقا واحدا إلى طلعته، و هجروا بلادهم و أوطانهم، و جفوا قومهم و عشائرهم فى
[١] اسم حاكم المجوس، حيث قد رأى رؤية ليلة مولده الشريفة، أن إبلا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة و انتشرت فى بلادها، نقلا عن بعض كتب التاريخ.