المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٠٣ - النوع العاشر فى إزالة الشبهات عن آيات وردت فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم- متشابهات
من أمور الدنيا للتالى حتى يدخل عليه الوهم و النسيان فيما تلاه، أو يدخل غير ذلك على أفهام السامعين من التحريف و سوء التأويل ما يزيله اللّه و ينسخه و يكشف لبسه و يحكم آياته. قاله القاضى عياض، و قد تقدم فى المقصد الأول مزيد لذلك.
قال فى الشفاء: و أما قوله- صلى اللّه عليه و سلم- حين نام عن الصلاة يوم الوادى:
«إن هذا واد به شيطان» [١] فليس فيه ذكر تسلطه عليه و لا وسوسته له، بل إن كان بمقتضى ظاهره فقد بين أمر ذلك الشيطان بقوله: إن الشيطان أتى بلالا، فلم يزل يهدّيه كما يهدى الصبى حتى نام، فاعلم أن تسلط الشيطان فى ذلك الوادى إنما كان على بلال الموكل بكلاءة الفجر، هذا إن جعلنا قوله «إن هذا واد به شيطان» تنبيها على سبب النوم عن الصلاة، و أما إن جعلناه تنبيها على سبب الرحيل عن الوادى و علة لترك الصلاة به، و هو دليل مساق حديث زيد ابن أسلم فلا اعتراض به فى هذا الباب، لبيانه و ارتفاع إشكاله.
قال عياض: و أما قوله تعالى: عَبَسَ وَ تَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [٢] الآية، فليس فيها إثبات ذنب له- صلى اللّه عليه و سلم-. بل إعلام اللّه له أن ذلك المتصدى له من لا يتزكى، و أن الصواب و الأولى كان لو كشف له حال الرجلين لاختار الإقبال على الأعمى و فعل النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- لما فعل و تصديه لذلك الكافر كان طاعة للّه، و تبليغا عنه، و استئلافا له، كما شرعه اللّه [له] لا معصية و لا مخالفة له، و ما قصه اللّه عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين، و توهين أمر الكافر عنده، و الإشارة إلى الإعراض عنه بقوله: وَ ما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [٣] أى ليس عليك بأس فى أن لا يتزكى بالإسلام، أى لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم أن تعرض عمن أسلم بالاشتغال بدعوتهم، إن عليك إلا البلاغ.
و قد كان ابن أم مكتوم يستحق التأديب و الزجر، لأنه- و إن فقد بصره-
[١] صحيح: و قد تقدم.
[٢] سورة عبس: ١، ٢.
[٣] سورة عبس: ٧.