المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٠٢ - النوع العاشر فى إزالة الشبهات عن آيات وردت فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم- متشابهات
أشرك و النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- لا يجوز عليه هذا، و اللّه تعالى ينهاه عما يشاء و يأمره بما يشاء، كما قال تعالى: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِ [١] الآية، و ما طردهم- صلى اللّه عليه و سلم- و ما كان من الظالمين.
و أما قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [٢]. فليس بمعنى قوله وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ [٣]، و إنما المعنى: لمن الغافلين عن قصة يوسف، إذ لم تخطر ببالك، و لم تقرع سمعك قط، فلم تعلمها إلا بوحينا.
و أما قوله تعالى: وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [٤] الآية. فمعناه: يستخفّك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم.
و النزغ: أدنى حركة تكون، كما قاله الزجاج. فأمره اللّه تعالى أنه متى تحرك عليه غضب على عدوه، أو رام الشيطان من إغرائه به و خواطر أدنى وساوسه ما لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ به تعالى منه، فيكفى أمره، و يكون سبب تمام عصمته، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له، و لم يجعل له قدرة عليه. و كذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان فى صورة الملك و يلبس عليه، لا فى أول الرسالة و لا بعدها [و الاعتماد فى ذلك دليل المعجزة] [٥] بل لا يشك النبيّ أن ما يأتيه من اللّه هو الملك و رسوله حقيقة إما بعلم ضرورى يخلقه اللّه له أو ببرهان يظهر لديه كما قدمته فى المقصد الأول عند البعثة، لتتم كلمة ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته.
و أما قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [٦] الآية. فأحسن ما قيل فيها ما عليه جمهور المفسرين:
أن التمنى المراد به هنا: التلاوة، و إلقاء الشيطان فيها إشغاله بخواطر و أذكار
[١] سورة الأنعام: ٥٢.
[٢] سورة يوسف: ٣.
[٣] سورة يونس: ٧.
[٤] سورة الأعراف: ٢٠٠.
[٥] زيادة من المصدر المنقول عنه، انظر «الشفاء» للقاضى عياض (٢/ ١٢٠).
[٦] سورة الحج: ٥٢.