المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٣٥ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
فى القسم، علما منه سبحانه بما النفوس منطوية عليه من حب الغلبة و وجود النصرة سواء كان الحق عليها أو لها، و فى ذلك إظهار لعنايته برسوله- صلى اللّه عليه و سلم-، إذ جعل حكمه حكمه، و قضاءه قضاءه، فأوجب على العباد الاستسلام لحكمه، و الانقياد لأمره، و لم يقبل منهم الإيمان بإلهية حتى يذعنوا لأحكام رسوله- صلى اللّه عليه و سلم-، لأنه كما وصفه به ربه وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [١]، فحكمه حكم اللّه، و قضاؤه قضاء اللّه، كما قال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [٢] و أكد ذلك بقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [٣].
و فى الآية إشارة أخرى إلى تعظيم قدره، و تفخيم أمره- صلى اللّه عليه و سلم- و هى قوله تعالى: وَ رَبِّكَ [٤] فأضاف نفسه إليه، كما قال فى الآية الأخرى:
كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [٥] فأضاف الحق سبحانه نفسه إلى محمد، و أضاف زكريا إليه ليعلم العباد فرق ما بين المنزلتين و تفاوت ما بين الرتبتين.
ثم إنه تعالى لم يكتف بالتحكيم الظاهر فيكونوا به مؤمنين، بل اشترط فقدان الحرج- و هو الضيق- من نفوسهم فى أحكامه- صلى اللّه عليه و سلم-، سواء كان الحكم بما يوافق أهواءهم أو يخالفها، و إنما تضيق النفوس لفقدان الأنوار، و وجود الأغيار، فعنه يكون الحرج و هو الضيق، و المؤمنون ليسوا كذلك، إن نور الإيمان ملأ قلوبهم فاتسعت و انشرحت، فكانت واسعة بنور الواسع العليم، ممدودة بوجود فضله العظيم، مهيأة لواردات أحكامه مفوضة له فى نقضه و إبرامه. انتهى.
و قال سهل بن عبد اللّه: من لم ير ولاية الرسول عليه فى جميع
[١] سورة النجم: ٣، ٤.
[٢] سورة الفتح: ١٠.
[٣] سورة الفتح: ١٠.
[٤] سورة النساء: ٦٥.
[٥] سورة مريم: ١، ٢.