المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦١٧ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
شيء مع خلوه من محبته. قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه، و إلى هذا يومئ قول عمر فى الحديث الذي رواه البخاري فى «الأيمان و النذور» من حديث عبد اللّه بن هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبى- صلى اللّه عليه و سلم-: لأنت يا رسول اللّه أحب إلى من كل شيء إلا نفسى التي بين جنبى، فقال النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» فقال عمر: و الذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلى من نفسى التي بين جنبى، فقال له النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «الآن يا عمر» [١]. فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط. فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعا.
و فى رواية فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا و الذي نفسى بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك» قال بعض الزهاد: تقدير الكلام، لا تصدق فى حبى حتى تؤثر رضاى على هواك و إن كان فيه الهلاك.
و أما وقوف عمر فى أول أمره، و استثناؤه نفسه، فلأن حب الإنسان نفسه طبع، و حب غيره اختيار بتوسط الأسباب، و إنما أراد- صلى اللّه عليه و سلم- منه حب الاختيار، إذ لا سبيل إلى قلب الطباع و تغييرها عما جبلت عليه. و على هذا فجواب عمر أولا كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أحب إليه من نفسه لكونه السبب فى نجاتها من الهلكات فى الدنيا و الآخرة، فأخبره بما اقتضاه الاختيار، فذلك حصل الجواب بقوله (الآن يا عمر) أى الآن عرفت فنطقت بما يجب.
و إذا كان هذا شأن نبينا محمد- صلى اللّه عليه و سلم- عبد اللّه و رسوله فى محبتنا له و وجوب تقديمها على محبة أنفسنا و أولادنا و والدينا و الناس أجمعين، فما الظن بمحبة اللّه تعالى و وجوب تقديمها على محبة ما سواه، و محبة اللّه تعالى تختص عن محبة غيره فى قدرها و صفتها، و إفراده سبحانه و تعالى بها، فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده و والده، بل من سمعه
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٦٦٣٢) فى الأيمان و النذور، باب: كيف كانت يمين النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.