المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٨٩ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
و الهدى، و أقسم بكلامه القديم على ذلك فى الذكر الحكيم فقال: يس (١) وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [١] فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط، فيسأل السلامة لأتباعه و أهل سنته، حتى يجوزوا إلى جنات النعيم، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم.
ثم إن ما ذكر هنا من القرب و الدنو، المراد به تأكيد المحبة و القربة، و رفع المنزلة و الرتبة، قال جعفر الصادق: لما قرب الحبيب من الحبيب غاية القرب، نالته غاية الهيبة، فلاطفه الحق تعالى بغاية اللطف، و ذلك قوله جل جلاله: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [٢] أى كان ما كان و جرى ما جرى، و قال الحبيب للحبيب ما يقول الحبيب للحبيب: و ألطف به إلطاف الحبيب بالحبيب، فخفى السر و لم يطلع عليه أحد، ما أوحى إلا الذي أوحى.
و قال غيره فى قوله: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [٣] أبهمه لعظمه، فإن الإبهام قد يقع للتعظيم، فهو مبهم لا يطلع عليه بل يتعبد بالإيمان به.
و قيل: بل هو مفسر بالأخبار الواردة، قال سعيد بن جبير: أوحى اللّه تعالى إليه- صلى اللّه عليه و سلم-، أ لم أجدك يتيما فآويتك، أ لم أجدك ضالا فهديتك، أ لم أجدك عائلا فأغنيتك، أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [٤]. و قيل: أوحى اللّه إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد، و على الأمم حتى تدخلها أمتك.
ذكره الثعلبى و القشيرى. و قيل: أوحى اللّه إليه: خصصتك بحوض الكوثر، فكل أهل الجنة أضيافك بالماء، و لهم الخمر و اللبن و العسل. ذكره القشيرى.
و ذكر أيضا: أنه أوحى إليه ما أوحى إلى الرسل لقوله تعالى: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [٥]. و قيل: أوحى إليه الصلوات الخمس.
[١] سورة يس: ١- ٤.
[٢] سورة النجم: ١٠.
[٣] سورة النجم: ١٠.
[٤] سورة الشرح: ١- ٤.
[٥] سورة فصلت: ٤٣.