المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٦ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و ترغيب و ترهيب، إما بتلاوة القرآن، أو بما آتاه اللّه من الحكمة و الموعظة الحسنة، و تعليم ما نفع فى الدين، كما أمره اللّه تعالى أن يذكر و يعظ و يقص، و أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، و أن يبشر و ينذر، فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه رقة القلوب، و الزهد فى الدنيا و الرغبة فى الآخرة، كما ذكره أبو هريرة فيما رواه أحمد و الترمذى و ابن حبان فى صحيحه قال: قلنا: يا رسول اللّه، ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا و زهدنا فى الدنيا و كنا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك عافسنا أهلنا و شممنا أولادنا و أنكرنا أنفسنا. فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «لو أنكم إذا خرجتم من عندى كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة فى بيوتكم» [١] الحديث.
و قوله: عافسنا:- بالعين المهملة بعد الألف فاء فسين مهملة ساكنة- أى: عالجنا أهلنا و لاعبناهم.
و من تواضعه- صلى اللّه عليه و سلم- أنه ما عاب ذواقا قط، و لا عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله و إلا تركه [٢] رواه الشيخان. و هذا إن كان الطعام مباحا، أما الحرام فكان يعيبه و يذمه و ينهى عنه، و ذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، و إن كان من جهة الصنعة لم يكره، قال: لأن صنعة اللّه تعالى لا تعاب، و صنعة الآدميين تعاب. قال فى فتح البارى: و الذي يظهر:
التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع. قال النووى: و من آداب الطعام المتأكدة:
أن لا يعاب، كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج و نحو ذلك.
و من تواضعه: أن هذه الدنيا شاع سبها فى العالمين، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا تسبوا الدنيا» [٣]، ثم مدحها فقال: «نعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير،
[١] قلت: هو فى صحيح مسلم (٢٧٥٠) فى التوبة، باب: فضل دوام الذكر و الفكر فى أمور الآخرة، من حديث حنظلة الأسيدى- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٣٥٦٣) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (٢٠٦٤) فى الأشربة، باب: لا يعيب الطعام، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.
[٣] أخرجه الديلمى و ابن النجار عن ابن مسعود، كما فى «كنز العمال» (٣٠٢٩ و ٦٣٤٣).