المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٩٦ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [١] فقال: لو أن الجن و الإنس و الشياطين و الملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفا واحدا ما أحاطوا باللّه أبدا. قال ابن كثير: غريب، لا يعرف إلا من هذا الوجه و لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة و اللّه أعلم.
و مما نسب لإمام الحرمين فى «لمع الأدلة» أنه قال: من أصحابنا من قال:
إن الرب تعالى يرى و لا يدرك، لأن الإدراك يا بنى عن الإحاطة، و درك الغاية، و الرب جل جلاله تقدس عن الغاية و النهاية، ثم قال: فإن عارضوا بقوله تعالى فى جواب موسى٧: لَنْ تَرانِي [٢] و زعموا: أن «لن» تفيد النفى على التأبيد، قلنا: هذه الآية أوضح الأدلة على جواز الرؤية، فإنها لو كانت مستحيلة لكان معتقد جواز الرؤية ضالا و كافرا، و كيف يعتقد ما لا يجوز على اللّه تعالى من اصطفاه لرسالته و اختاره لنبوته، و خصه بكرامته، و شرفه بتكليمه، و جعله أفضل أهل زمانه، و أيده ببرهانه، و كيف يجوز على الأنبياء الريب فى أمر يتعلق بعلم الغيب. فيجب حمل الآية على أن ما اعتقد موسى٧ جوازه جائز، لكن ظن أن ما اعتقد جوازه ناجز، فرجع النفى فى الجواب إلى الإنجاز، و ما سأل موسى٧ ربه رؤيته فى المال، فصرف النفى إليه، و الجواب يدل على قضية الخطاب، انتهى.
و قال البيضاوى: فى هذه الآية دليل على أن رؤيته تعالى جائزة فى الجملة، لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، و خصوصا ما يقتضى الجهل باللّه تعالى، و لذلك رده بقوله: لَنْ تَرانِي [٣] دون: لن أرى، انتهى.
و نقل القاضى عياض عن أبى بكر الهذلى، فى الآية، أن المراد: ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلىّ فى الدنيا، و أنه من نظر إلىّ مات. قال: و قد رأيت لبعض السلف و المتأخرين ما معناه: أن رؤيته تبارك و تعالى فى الدنيا
[١] سورة الأنعام: ١٠٣.
[٢] سورة الأعراف: ١٤٣.
[٣] سورة الأعراف: ١٤٣.