المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١١٠ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
ذلك ينتهكون حرمات اللّه. و قيل: أراد أنه لا ينتقم إذا أوذى فى غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابى الذي جفا فى رفع صوته عليه، و عن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر فى كتفه. و حمل الداودى عدم الانتقام على ما يختص بالمال، و أما العرض فقد اقتص ممن نال منه.
و قد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق معمر عن الزهرى مطولا، و أوله: ما لعن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- مسلما بذكر- أى بصريح اسمه- و ما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يضرب فى سبيل اللّه، و لا سئل شيئا قط فمنعه إلا أن يسأل مأثما، و لا انتقم لنفسه من شيء إلا أن تنتهك حرمات اللّه فيكون للّه ينتقم [١]. الحديث. و مما روى من اتساع خلقه و حلمه- صلى اللّه عليه و سلم-، اتساع خلقه لطائفة المنافقين، الذين كانوا يؤذونه إذا غاب و يتملقون له إذا حضر، و ذلك مما تنفر منه النفوس البشرية حتى تؤيدها العناية الربانية.
و كان- صلى اللّه عليه و سلم- كلما أذن له فى التشديد عليهم فتح لهم- صلى اللّه عليه و سلم- بابا من الرحمة، فكان يستغفر لهم و يدعو لهم، حتى أنزل اللّه عليه اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [٢]، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «خيرنى ربى فاخترت أن أستغفر لهم» و لما قال تعالى إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [٣]، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «لأزيدن على السبعين» [٤] و أمر ولد الذي تولى كبر النفاق و الأذى منهم ببر أبيه، و لما مات كفنه فى ثوبه خلعه عن بدنه و صلى عليه، هذا و عمر ابن الخطاب- رضى اللّه عنه- يجذبه بثوبه و يقول: يا رسول اللّه أ تصلي على رأس المنافقين؟ فنتر ثوبه من عمر و قال: «إليك عنى يا عمر» [٥]. فخالف مؤمنا وليّا فى حق منافق عدو، و كل ذلك رحمة منه لأمته، أشار إليه الحرالى.
[١] أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٢/ ٦٧٠)، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٢] سورة التوبة: ٨٠.
[٣] سورة التوبة: ٨٠.
[٤] صحيح: أخرجه البخاري (٤٦٧٠) فى التفسير، باب: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية، و مسلم (٢٤٠٠) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر- رضى اللّه عنه-، من حديث ابن عمر- رضى اللّه عنهما- بنحوه.
[٥] انظر ما قبله.