المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٠٧ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
عرفتها فى وجه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما:
يسبق حلمه جهله، و لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد اختبرتهما، فأشهدك أنى قد رضيت باللّه ربّا و بالإسلام دينا و بمحمد نبيّا [١].
و عن أبى هريرة قال حدثنا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يوما ثم قام، فقمنا حين قام فنظرنا إلى أعرابى قد أدركه فجبذه بردائه فحمر رقبته، و كان رداء خشنا، فالتفت إليه فقال له الأعرابى: احملنى على بعيرى هذين، فإنك لا تحملنى من مالك و لا من مال أبيك، فقال له- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا، و أستغفر اللّه، لا و أستغفر اللّه، لا و أستغفر اللّه، لا أحملك حتى تقيدنى من جبذتك التي جبذتنى»، فكل ذلك يقول له الأعرابى: و اللّه لا أقيدكها، فذكر الحديث، قال: ثم دعا رجلا فقال له: «احمل له على بعيريه هذين على بعير تمرا و على الآخر شعيرا» [٢] رواه أبو داود.
و رواه البخاري من حديث أنس بلفظ: كنت أمشى مع النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و عليه برد نجرانى غليظ الحاشية فأدركه أعرابى فجبذ بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتقه و قد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لى من مال اللّه الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء [٣].
و فى هذا بيان حلمه- صلى اللّه عليه و سلم- و صبره على الأذى فى النفس و المال، و التجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام، و عن عائشة لم يكن النبيّ
[١] أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٢٨٨)، و الحاكم فى «المستدرك» (٣/ ٧٠٠)، و الطبرانى فى «الكبير» (٥/ ٢٢٢).
[٢] ضعيف: أخرجه أبو داود (٤٧٧٥) فى الأدب، باب: فى الحلم و أخلاق النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و النسائى (٨/ ٣٣) فى القسامة، باب: القود من الجبذة، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود».
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٣١٤٩) فى فرض الخمس، باب: ما كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يعطى المؤلفة قلوبهم و غيرهم من الخمس و غيره، و مسلم (١٠٥٧) فى الزكاة، باب: إعطاء من سأل بفحش و غلظة.