المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٨٥ - تعريف المعجزة بالدليل
و من ذلك تفجير الماء ببركته، و انبعاثه بمسه و دعوته. روى مسلم فى صحيحه عن معاذ أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال لهم: «إنكم ستأتون غدا إن شاء اللّه عين تبوك، و إنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى» قال: فجئناها، و قد سبق إليها رجلان، و العين مثل الشراك تبض بشيء من ماء [١]، فسألهما رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «هل مسستما من مائها شيئا؟» قالا: نعم، فسبهما و قال لهما ما شاء اللّه أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع فى شيء، ثم غسل- صلى اللّه عليه و سلم- به وجهه و يديه ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا» [٢]. أى بساتين و عمرانا، و هذا أيضا من معجزاته- صلى اللّه عليه و سلم-.
و رواه القاضى عياض فى الشفاء بنحوه من طريق مالك فى الموطأ، و زاد فقال: قال فى حديث ابن إسحاق: فانخرق من الماء ما له حس كحس الصواعق.
و فى البخاري، فى غزوة الحديبية، من حديث المسور بن مخرمة و مروان ابن الحكم: أنهم نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه و شكى إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- العطش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فو اللّه ما زال يجيش لهم بالرى حتى صدروا عنه [٣]. و الثمد:- بالمثلاثة و التحريك- الماء القليل.
و قوله: «يتبرضه الناس تبرضا»- بالضاد المعجمة- أى يأخذونه قليلا قليلا، و البرض: الشيء القليل. و قوله: «فما زال يجيش»- بفتح المثناة التحتية، و بالجيم آخره شين- أى: يفور ماؤه و يرتفع. و فى رواية: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- توضأ فتمضمض و دعا و مج فى بئر الحديبية من فمه، فجاشت بالماء كذلك.
[١] يقصد: أن الماء قليل جدّا.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (٧٠٦) فى الفضائل، باب: فى معجزات النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.
[٣] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٢٧٣١ و ٢٧٣٢) فى الشروط، باب: الشروط فى الجهاد.