المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣٩ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و ذكر ابن فارس فى كتابه «فى أسماء النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-» أنه فى يوم حنين جاءت امرأة فأنشدت شعرا تذكره أيام رضاعته فى هوازن فرد عليهم ما أخذ و أعطاهم عطاء كثيرا حتى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان خمسمائة ألف ألف. قال ابن دحية: و هذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله فى الوجود.
و فى البخاري من حديث أنس: أنه أتى بمال من البحرين فقال:
«انثروه»- يعنى صبوه- فى المسجد، و كان أكثر مال أتى به النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، فخرج إلى المسجد و لم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس فقال: أعطنى، فإنى فاديت نفسى و فاديت عقيلا، فقال له «خذ»، فحثا فى ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول اللّه مر بعضهم يرفعه إلى، قال: لا، قال: فارفعه أنت على، قال: لا، فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال: يا رسول اللّه مر بعضهم يرفعه على، قال: لا، قال: فارفعه أنت قال: لا، ثم نثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله فانطلق، فما زال النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يتبعه بصره حتى خفى علينا من حرصه، فما قام- صلى اللّه عليه و سلم- و ثم منها درهم [١].
و فى رواية ابن أبى شيبة من طريق حميد بن هلال مرسلا: كان مائة ألف، و أنه أرسل به العلاء بن الحضرمى من خراج البحرين، قال: و هو أول مال حمل إليه- صلى اللّه عليه و سلم-.
و سايره جابر على حمل له، فقال له- صلى اللّه عليه و سلم-: «بعنى جملك» فقال:
هو لك يا رسول اللّه، بأبى أنت و أمى، فقال: «بل بعنيه» فباعه إياه و أمر بلالا أن ينقده ثمنه فنقده، ثم قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «اذهب بالثمن و الجمل بارك اللّه فيهما» [٢]. مكافأة لقوله: هو لك، فأعطاه الثمن ورد عليه الجمل و زاده الدعاء بالبركة فيهما. و حديثه فى البخاري و مسلم و غيرهما.
[١] صحيح: أخرجه البخاري فى المساجد، باب: القسمة و تعليق القنو فى المسجد تعليقا.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٢٧١٨) فى الشروط، باب: إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز، و مسلم (٧١٥) فى المساقاة، باب: بيع البعير و استثناء ركوبه.