المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٤٠ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و قد كان جوده- صلى اللّه عليه و سلم- كله للّه و فى ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال تارة لفقير أو لمحتاج و تارة ينفقه فى سبيل اللّه، و تارة يتألف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه. و كان يؤثر على نفسه و أولاده، فيعطى عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى و قيصر، و يعيش فى نفسه عيش الفقراء، فيأتى عليه الشهر و الشهران لا توقد فى بيته تار، و ربما ربط الحجر على بطنه الشريفة من الجوع.
و كان- صلى اللّه عليه و سلم- قد أتاه سبى، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت و طلبت منه خادما يكفيها مئونة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح و التكبير و التحميد، و قال: «لا أعطيك و أدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع» [١]. و أتته امرأة ببردة فقالت: يا رسول اللّه أكسوك هذه، فأخذها- صلى اللّه عليه و سلم- محتاجا إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول اللّه ما أحسن هذه فاكسنيها فقال: «نعم» فلما قام- صلى اللّه عليه و سلم- لامه أصحابه، قالوا: ما أحسنت حين رأيت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أخذها محتاجا إليها ثم سألته إياها، و قد عرفت أنه لا يسأل فيمنعه [٢]. رواه البخاري من حديث سهل بن سعد. و فى رواية ابن ماجه و الطبرانى قال: نعم، فلما دخل طواها و أرسل بها إليه. و أفاد الطبرانى فى رواية زمعة بن صالح أنه- صلى اللّه عليه و سلم- أمر أن يصنع له غيرها فمات قبل أن يفرغ منها. و فى هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقه- صلى اللّه عليه و سلم- وسعة جوده.
و استنبط منه السادة الصوفية: جواز استدعاء المريد خرقة التصوف من المشايخ تبركا بهم و بلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنه- صلى اللّه عليه و سلم- ألبس أم خالد خميصة سوداء ذات علم [٣] رواه البخاري.
[١] صحيح: و أصل القصة عند البخاري (٣١١٣) فى الخمس، باب: الدليل على أن الخمس لنوائب رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و المساكين، و مسلم (٢٧٢٧) فى الذكر و الدعاء، باب: التسبيح أول النهار و عند النوم، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٦٠٣٦) فى الأدب، باب: حسن الخلق و السخاء.
[٣] صحيح: حديث أم خالد أخرجه البخاري (٥٨٢٣) فى اللباس، باب: الخميصة السوداء.