المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣٨ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
قوله: لا أجد ما أحملكم و بين لا أحملكم انتهى. و هو نظير ما فى حديث أبى موسى الأشعرى: لما سأله الأشعريون الحملان فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «ما عندى ما أحملكم» [١].
لكن يشكل عليه أنه- صلى اللّه عليه و سلم- حلف لا يحملهم فقال: «و اللّه لا أحملكم» [٢] فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر، ما إذا سئل ما ليس عنده و السائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك، أو حيث كان المقام لا يقتضى الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل، كأن لم يكن يعرف العادة، فلو اقتصر فى جوابه على السكوت مع حاجة السائل لتمادى على السؤال مثلا، و يكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل، و السر فى الجمع بين قوله: «لا أجد ما أحملكم» و قوله: «و اللّه لا أحملكم» أن الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجودا عنده، و الثانى أنه لا يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالقرض مثلا أو بالاستيهاب، إذ لا اضطرار حينئذ، و روى الترمذى أنه حمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما رد سائلا حتى فرغ منها.
قال: و جاءه رجل فقال ما عندى شيء و لكن ابتع على، فإذا جاءنا شيء قضيناه، فقال له عمر: ما كلفك اللّه ما لا تقدر، فكره النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، فقال رجل من الأنصار: يا رسول اللّه، أنفق و لا تخف من ذى العرش إقلالا، فتبسم- صلى اللّه عليه و سلم- و عرف البشر فى وجهه. و قال: «بهذا أمرت» [٣].
و إنما فعل ذلك للمصلحة الداعية لذلك كالاستئلاف و نحوه.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣١٣٣) فى الخمس، باب: و من الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، و مسلم (١٦٤٩) فى الإيمان، باب: ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها.
[٢] صحيح: و هو جزء مما قبله.
[٣] أخرجه الترمذى فى «الشمائل» (٢٨١).