المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣٧ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
بجميع أنواع الجود، من بذل العلم و المال، و بذل نفسه للّه فى إظهار دينه و هداية عباده و إيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم و وعظ جاهلهم، و قضاء حوائجهم، و تحمل أثقالهم، و لقد أحسن ابن جابر حيث قال:
يروى حديث الندى و البشر عن يده * * * و وجهه بين منهل و منسجم
من وجه أحمد لى بدر و من يده * * * بحر و من فمه در لمنتظم
يمم نبيّا تبارى الريح أنمله * * * و المزن من كل هام الودق مرتكم
لو عامت الفلك فيما فاض من يده * * * لم تلق أعظم بحر منه إن تعم
تحيط كفاه بالبحر المحيط فلذ * * * به ودع كل طامى الموج ملتطم
لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت * * * كل الأنام و روت قلب كل ظمى
فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، و أنشأ أمطار السحاب من غمائم يمينه. روى البخاري من حديث جابر: (ما سئل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- عن شيء قط فقال: لا) [١] و كذا عند مسلم، أى ما طلب منه شيء من أمر الدنيا فمنعه: قال الفرزدق:
ما قال لا قط إلا فى تشهده * * * لو لا التشهد كانت لاؤه نعم
لكن قال شيخ مشايخنا الحافظ أبو الفضل ابن حجر: ليس المراد أنه يعطى ما يطلب منه جزما، بل المراد: أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده أعطاه إن كان الإعطاء سائغا و إلا سكت. قال: و قد ورد بيان ذلك فى حديث مرسل لابن الحنيفة عند ابن سعد و لفظه: إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، و إن لم يرد أن يفعل سكت. و هو قريب من حديث أبى هريرة؛ ما عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله و إلا تركه. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام معناه: لم يقل: لا، منعا للعطاء، و لا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارا كما فى قوله تعالى: قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [٢]، و لا يخفى الفرق بين
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٦٠٣٤) فى الأدب، باب: حسن الخلق و السخاء، و مسلم (٢٣١١) فى الفضائل، باب: ما سئل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- شيئا قط فقال: لا.
[٢] سورة التوبة: ٩٢.