الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٨٣ - باب مولد النّبي ووفاته
المذنب أيضاً، كما يبير ويهلك المذنب. وهذا تخويف وتهديد كأنّه يقول: اتّقوا ما لا يسمع منكم العذر بأنّي لم أجن ذنباً، فلأيّ علّة تهلكني ويتّكل على عدم الجناية فيطمع البقاء، بل يكون الكلّ عنده سواء؛ إذ لا محيص عنه ولابدّ منه، فخذوا اهبتكم قبل أن يحلّ بكم، واتّقوا يوماً: «لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ» [١] وليعدّ أحدكم لغده قبل أن يخرج الأمر من يده.
قوله:
(وأبيضُ يُستسقى الغمامَ بوجهه* * * ثِمالُ اليتامى عِصمَةٌ للأرامل). [ح ٢٩/ ١٢٢٠]
هذه القصيدة شائعة مستفيضة بين الخاصّة والعامّة؛ قال ابن الأثير في النهاية في الثاء المثلّثة: «وفي شعر أبي طالب يمدح محمّداً ٦:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
الثمال- بالكسر-: الملجأ والغياث. وقيل: هو المطعم في الشدّة» [٢].
وقال في الباب الموحّدة مع الزاي: «وفي قصيدة أبي طالب يعاتب قريشاً في أمر النبيّ ٦:
كذبتم وبيت اللَّه يبزى محمّد* * * ولمّا نطا عن دونه ونناضل
أراد لا يبزى، فحذف «لا» في جواب القسم وهي مرادة، أي لا يقهر ولم نطاعن عنه وندافع» [٣].
اقول: في الصحاح: «بزى عليه يبزو، أي تطاول؛ وأبزى فلاناً: إذا غلبه وقهره» [٤] انتهى.
وبناء كلام صاحب النهاية على أنّ «يبزى» بالبناء للمفعول، وأنّه هو الجواب القسم؛ وإذ لابدّ من التلقّي بإحدى الثلاث قدّر «لا» والمعنى: كذبتم في قولكم إنّ محمّداً يصير عن قريب مغلوباً لنا، فبحقّ بيت اللَّه أنّه لا يُغلب ولم نطاعن دونه ونناضل، فكأنّه يقول: إنّ غلبتكم إيّاه معلّق على إراقة دمائنا فرسانِ بني هاشم وبني المطّلب أجمع، فلا تطعموا بها ولا تتمنّوها وأنتم تعرفوننا.
[١]. الأنعام (٦): ١٥٨.
[٢]. النهاية، ج ١، ص ٢٢٢ (ثمل).
[٣]. النهاية، ج ١، ص ١٢٥ (بزا).
[٤]. الصحاح، ج ٦، ص ٢٢٨٠ (بزا).