الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٥٤ - باب البرّ بالوالدين
ولعلّ منشأ الظنّ أنّه رأى أنّ الغرض تعظيم أمر الوالدين وشدّة العناية ببرّهما، والتي في بني إسرائيل أشدّ تأكيداً في هذا الغرض ممّا في لقمان؛ إذ فيها التوصية بعدم قول افٍّ وعدم النهر، وكذا التوصية بالقول الكريم، وبخفض جناح الذلّ من الرحمة، وبطلب الرحمة لهما من اللَّه، وبالاعتراف بحقّ تربيتهما في الصغر، واقتضاء ذلك الحقّ المكافأةَ بطلب الرحمة، وما في لقمان اليوم هكذا
«وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» [١]، ولعلّ إضافة «حسناً» في قراءتهم : أو هي من النسّاخ.
وكيف كان فليس في سورة لقمان أكثر من توصية الإنسان بوالديه واستئناف بياني لإفادة علّة التوصية، وهو قوله «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ» بدون الفصل مع أنّ فيها أنّهما إن جاهداك على الشرك فلا يجوز إطاعتهما التي هي من أعظم الصِلات والمبرّات في نظرهما، بل يجب الاقتصار على الصلات والمبرّات الدنيويّة وعدم طلب الرحمة والغفران لهما، كما دلَّ عليه قوله سبحانه: «وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً»، فأين هذا من المبالغات والتأكيدات التي في آية بني إسرائيل، ففي مقام بيان أنّ اللَّه تعالى عظّم أمر الوالدين في الكتاب المجيد- وكان ذلك في موضعين- يُبادر الذهن إلى الموضع الذي كان التأكيد فيه أشدَّ، هذا توجيه قوله: «فظننّا أنّها الآية التي في بني إسرائيل» وعرفته من السؤال بعد حين أن يسمع من الإمام ٧ أنّه أصاب في الظنّ.
وقوله ٧: (هي التي في لقمان) [ح ٦/ ٢٠١٢] غرضه أنّ آية «وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ» إلى آخرها أشدّ تأكيداً ممّا في بني إسرائيل، ولمّا كان منشأ الأشدّيّة هو قوله تعالى: «وَ إِنْ جاهَداكَ» تعرّض لذكره، وترك ما قبله؛ أعني قوله تعالى: «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ»، وبيان الأشدّيّة أنّ قوله تعالى:
[١]. لقمان (٣١): ١٤ و ١٥.